في القاعة يقول المُحاضر ما يريد ويخرج، الطالب عليه أن يسمع فقط ويحفظ، حتى يأتي يوم (الامتحان) فيتخلص من محفوظاته على ورقة الإجابة، كي يستعيد إنسانيته وحريته التي تحاول مدارسنا من التمهيدي إلى العالي أن تسلبها منه وتحوله إلى مجرد ذاكرة أرشيفية!
هذه الصورة النمطية للطالب جعلت المحاضر الأكاديمي ينظر له باعتباره آلة تسجيل تحفظ ما يقول خلال العام الدراسي، وما على الأستاذ في نهاية العام سوى اختبار (صلاحية) هذه الآلة وتقييمها، والويل لها إن توصلت لنتيجة (حتى لو كانت منطقية) لم يتوصل إليها هو من قبل، فحتى لو كلف الطالب بالبحث، فعليه أن يبحث بالموضوع والأدوات التي يريدها أستاذه، والأهم أن يتوصل للنتائج التي يقررها الأستاذ قبل كتابة البحث، أما (الاجتهاد) فهو مزيد من (الحفظ) فقط، عدا ذلك يدخل في باب (من تكلم بغير فنّه أتى بالعجائب)، فالاستنتاج والتفكير الحُر -حتماً- يؤديان إلى الفلسفة التي تؤدي بالضرورة إلى الزندقة!، فعلى الطالب لزوم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والعلماء (سعودياً) يُقصد بها المتخصصون في العلوم الشرعية فقط، وهيهات أن ينال زنادقة هذا الشرف!
الأكاديمي الذي اعتاد أن يُسمع ويُطاع في القاعة، بل لم يفكر يوماً أن يناقشه -فضلاً عن مخالفته- من لم يثن ركبه عند العلماء، تفاجأ أن الصبية (بتويتر) تجاوزوا أدبهم بالسخرية من كلماته، خاصة عندما تكلّم بكل الفنون، هذه الصدمة استفزته ليس لأنها تجرأت على معارضة العلماء، ولكن لأنه متأكد أن مخالفيه ما هم سوى (جالية ليبرالية) تهرف بما لا تعرف، وتتكلم في (أمور) الكبار، فالعالم وريث الأنبياء يستنبط (ولا نقول يعلم) نوايا الآخرين ممن يخالفونه الرأي، فمثلاً عندما غرّد الأكاديمي الشهير بمقولة أكثر شهرة (الفرقة الناجية هي ما كان عليه علماؤنا وأهل نجد ومن تبعهم)، استغرب بأن هناك من يطالبه بالاعتذار: (سبحان الله لقد أكثروا علي.. اعتذر اعتذر)، والغرابة هنا مبررة جداً، فالكلام الذي يُقال في القاعات لسنوات أصبح يتطلب الاعتذار لأجله في تويتر، ولهذا اكتشف المشاهير بمن فيهم (الدعاة) أن تويتر يتطلب تكتيكاً جديداً، فالتلاميذ فيه أكثر تمرداً، وحشد تلاميذ (تويتريين) مخلصين يتطلب الخفّة والمشاكسة، والتخلي عن سمت الوقار (مؤقتاً) لحشد مؤيدين من محبي مصطلح (قصف الجبهة)، فلم يجد غضاضة في أن يتدخل بين زميلين له من الدعاة في نقاشهما، لكنه تدخل بطريقة (قصف الجبهة) وليته لم يفعل، فقد اندفع بوصف داعية مشهور وأكاديمي خطيب جامع بوصف يفتقد لأدنى درجات اللباقة ولا نقول لشرف الخصومة لأنه لم تكن خصومة من الأساس، يقول عنهما (الأقران كتيوس في زريبة، فبإمكانك أن تتفرج ولكن إياك أن تتدخل)، وبعد أن خفت الضوء الذي صنعته هذه الشتيمة عاد الكرة ساخراً ممن تكلمت بقيادة المرأة للسيارة واصفاً من تطالب بذلك أنها مجرد عجوز رمساء حجّتها الخلوة بالسائق، ولو نظرت في نفسها في المرآة لعملت أن الشيطان قد مجّها لقبحها، وعندما تعاملت معه بنفس السخرية متسائلة عن كونه يشبه الفنان اللبناني (راغب علامة)، أجاب عليها بذكاء (حسب مقياس قصف الجبهة) بأنه (عمر قلّي)، وبالطبع اختيار هذا الاسم ينم عن براءة كاملة ومجرد (مزح) لا أكثر، ولم يقصد به أي إسقاط لئيم!
لم ينته فضيلته بعد من حضوره المُلفت قصفاً، ففي الصيف لا بد من الحضور حتى لو كان باللعن، فـ»يزيد بن معاوية» عليه من الله ما يستحق من اللعن، وأن يجعل لعنه سنة تأخذها الأخلاف عن الأسلاف، حتى يوم القيامة، كما يقول، ولستُ بصدد الدفاع عن يزيد، لكنني مؤمن بـ(ليس المؤمن بطعّان ولا لعّان ولا فاحش ولا بذيء) كما يقول أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام.
وأخيراً أُجيب على السؤال الجاهز: لماذا أنتقد بعض (رجال الدين) وأتجاهل ما يقوم به الليبراليون والتغريبيون، والجواب لأن دعوة الليبرالي لـ(اللعن) لن تؤثر في العامة مثلما تفعل عندما تصدر من (الشيخ)، رغم عدم إيماني بهذه التسميات الفوضوية رغم جدواها كونها مسوغا كافياً للقبول أو الرفض!
أكاديمي سترته القاعة.. وعرّاه تويتر!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
