يبدو أن الوقت قد تأخر كثيرا على تفعيل المراصد الحضرية بالنسبة لكثير من المدن، ولكن أن تأتي متأخرا خيراً من أن لا تأتي.
إن فكرة المراصد الحضرية تعبر حقيقة عن رغبة الجهات المسؤولة بالمدن لمعرفة وتحديد التحديات والفرص بالنسبة للمدن، وكذلك الوقوف على الاحتياجات الفعلية لساكنيها ونسبة وأهمية كل احتياج بالنسبة للمدينة كما تُمكن لأصحاب القرار اتخاذ القرارات المناسبة وتعبر فعليا عن حجم المشاركة المجتمعية وذلك عبر الإحصاءات والاستبيانات.
وبتأكيد أهمية المؤشرات الناتجة عن تطبيق المراصد الحضرية وطريقة عملها، يتحتم عليها ضرورة التأكيد على معدي أسئلة الاستبيانات في جعلها مفهومة للعامة وواضحة ومباشرة وبلغة سلسة، ولا يمنع أن تكون من خلال تعبيرات رسومية للتوضيح وذلك حتى يكون العائد من نتائج إجابات الأسئلة إيجابياً ويعتمد عليها، فكلما كانت الأسئلة شفافة وواضحة كانت مدلولات المؤشرات أكثر وضوحا، وعلى سبيل المثال أن نجد سؤالا عاما مثل»هل تشعر بالأمان في مدينتك؟» قد يأخذ نتيجة عالية تجاه الإجابة الإيجابية وذلك لعدة عوامل مختلفة، ولكنه بطبيعة الحال لا يعكس الصورة الحقيقية للسؤال إذا ما كان الهدف منه استشعار مقدار الأمان عند قيادة المركبة داخل المدينة! فهنا قد تتغير النسبة بشكل كلي فالجميع يعلم الازدياد الملحوظ لأعداد الوفيات جراء حوادث السيارات، ومن غير المنطق أن ترتفع نسبة الحوادث وترتفع معها نسبة الإحساس بالأمان عند قيادة المركبة إذا ما كان مؤشر نتيجة إجابات هذا السؤال غير واقعية، ويمكن التأكيد كذلك على نسبة الإحساس بالأمان وأسبابه الحقيقية بالسؤال عن عدد الحوادث المرورية التي مرت بالمستخدم نفسه أو كان طرفا فيها خلال فترة زمنية محددة مثلاً «سنة ، ثلاث سنوات ، خمس سنوات» والاستمرار في تلك الطريقة بتوسعة التفاصيل كل مرة حتى يكون للمعلومات النهائية المستخرجة من الاستبيانات أهمية في تحديد دقة المؤشرات، وأن تكون ذات فائدة وقيمة وتعبر عن الواقع بشكل أصدق.
وكذلك ففهم السؤال وتوجيهه بالنسبة للمستخدم عن الأمان قد يفهم بشكل مختلف، فقد يكون الأمان مرة يعبر عن حوادث السرقة والاعتداءات، أو قد يعبر عن الأمان أنه الأمان الصحي أو الغذائي أو المائي وهكذا باختلاف الأشخاص واختلاف مواقعهم الجغرافية من المدينة، ولذلك لا بد وأن يراعى في استبيانات المراصد الحضرية دقة الأسئلة وتنوعها حول موضوع واحد، وتحديد نطاقات الإجابات كذلك بجعلها لا تتسبب بأي سوء فهم، والأولى من ذلك أن يتم قياس كفاءة هذه الاستبيانات قبل نشرها على الشرائح المستهدفة.
واستكمالا في رفع مستوى المراصد الحضرية وجب الاهتمام بالجهة المشرفة على المراصد الحضرية، فالأولى أن تكون بمشاركة القطاع الخاص والمجتمع والجهات الحكومية، وأن تكون مشاركة كل جهة في نطاق معين ومحدد من خلال الخدمات التي تقدمها للمستفيدين، وأن تكون الأسئلة والاستبيانات موجهة لهدف رفع جودة خدماتهم بالمدينة، وأن يترك مسؤولية التنظيم العام ونوع وطبيعة وطريقة صياغة الأسئلة المطروحة إلى جهات أكثر حيادية منها منعا لتوجيه الأسئلة نحو إجابات محددة سلفاً، ومن ذلك ما قد يتم طرحه عبر سؤال عام مثلا عن مستوى الرضا عن الخدمات المقدمة في المدينة وتوجيه الإجابات بشكل غير واقعي، فتحديد نسبة الرضا العام مثلا لمدينة يسكنها ستة ملايين شخص لا يعقل أن تكون ذات النسبة لمدينة بها نفس الخدمات والبنية التحتية ويسكنها مليون شخص.
إن إدارة المراصد الحضرية اليوم هي الإدارة المخولة حقيقة لرسم طريق المستقبل لتنمية وتطوير المدن وجزء من آليات اعتماد اتخاذ القرارات التي تهم المدينة بهدف دمجها مع السياسات العامة للمدينة لتتجه نحو إدارة المدينة بشكل أفضل، وأصبح لزاما بأن تشارك الجهات الرسمية والخاصة بحيادية تامة تصحيحا للأوضاع المتردية الحالية وحتى لا تكون مخرجات المراصد الحضرية عبارة عن مسكنات أو سببا في مشكلات أكثر تعقيدا مستقبلا.
إن كل ذلك يعتمد في فهم المسؤولية الحقيقية الملقاة على عاتق القائمين على المراصد الحضرية وبالدور المأمول منها باعتبارها جزءا من صناعة القرار المستقبلي وليست جزءا من الحلول العاجلة للمشكلات القائمة.
قد تشغل المراصد الحضرية حيزاً من الاهتمام خلال السنوات القادمة وتحظى بكثرة الحديث عنها، ولذلك فإنه من الأولى البدء في تبني القواعد الصحيحة لطريقة عملها وتبني سياسات واضحة لأنظمتها وطرق التعامل مع مخرجاتها ومؤشراتها وبصورة عملية إيذانا بالبدء في تطبيق مفهوم إدارة المدن بشكله السليم.
المراصد الحضرية
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
