في الابتدائية درستُ الحساب والهندسة قبل ظهور مادة الرياضيات الحديثة ثم التحقتُ بمعاهد شرعية لا تدرّس الرياضيات بل ما زالت متمسكة بمبدأ (الحساب) مصرّة على تعليم الطلاب الأرقام وتفاعلاتها دون أن يكون (للجبْر) مكان في مفردات المنهج، وكانَ أقراني ممن التحقوا بالمدارس المتوسطة والثانوية العادية يدرسون بجانب الحساب جبْراً وهندسة وتفاضُلاً وتكاملاً وحسابَ مثلثات كما أسمع منهم، وأرى بين أيديهم حروفاً تُجمع مع أرقام في (شخابيط) فاقت ما يفعله الأطفال على الحيط.
جادلتُ كثيراً من أولئك الصبية الذين كنتُ واحداً منهم في أسلوبِ مراهق محبٍّ للنقاش وفرض الرأي وإبراز عضلات التفكير مستفسراً عن الغاية من تعلّم حروف وأرقام لا تفيد الإنسان في حياته، محتجّاً حينها بأن الأرقام نوعٌ والحروف نوعٌ آخر، وخلْطُ المتغايريْن خطأ فادح كما قرّرتُه حينها بصفتي عالم عصره وفريد زمانه، ولم أكن أسمعُ من أحد رأياً ولا أقبل منه صرفاً ولا عدلاً.
ترسّخَتْ في ذهني قاعدة بأنّ العبّث حرامٌ وضياع الوقت في تعلّم أمر ليس بديني قمّة في الفسوق والعصيان، خاصة وأنا أدرس مادّة التوحيد والعقيدة التي تحذّر من السّحر والخزعبلات في صورة حروفٍ وأرقام يستخدمها هؤلاء المشعوذون يدّعون بها علمَ غيب وجلب نفعٍ وكشْف ضُرّ، وأقول لنفسي وقتَها أن لا طائل من وراء مسائل يُستهلك فيها التفكير والمخ وهي لا تتعدّى أنّ (س = ص) أو (ص + 14 = س) في معادلات لا نستخدمها ونحن نبيع ونشتري أو نقترض ونقضي، فالكفاية في العمليات الأربع تَزيدُ عن الحاجة.
تعلّمتُ في مادة الحساب الرّبح المركّب والبسيط وقيمة السمسرة والمضاعف المشترك الأصغر والأكبر والتحليل للأعداد الأولية والفرق بين العدد الزوجي والفردي والكسور العشرية والاعتيادية والتقريب لأقرب صفر وقسمة البسط على المقام وتوحيد المقامات وجدول الضرب، ثمّ استخدمت كل هذه العمليات حينَ أصبحتُ في المرحلة الثانوية أدرس مادة (الفرائض) وهي مادة تعني بقسمة المواريث وفيها من العمليات الحسابية الطويلة والمعقدة ما لا ينفع فيه سوى حساب قديم كهذا، ورضيتُ عن نفسي في ذلك السنّ أنني من مُحَاربي (سين صاد) وغيرها من الحروف التي أحسّ بحقد دفين عليها أن حشَرَتْ أنفها في أرقام لا تعنيها.
.
التحقت بكلية الشريعة ونسيتُ أمر السينات والصادات التي ابتعدت عن الذاكرة كثيراً، والبعيدُ عن الذاكرة بعيدٌ عن المجادلة والنقاش، حتى التحقت بمجال التعليم ورافقت زملاء في المهنة يعلّمون الطلاب رياضيات لم تخطر لي على بال يوماً من الأيام، وأصبحت أدخل الحصص بعد مدرس للرياضيات أو الفيزياء والكيمياء وأشاهد العجبَ العجاب في السبورة من كتابات وأرقام وحروف خُيّلَ إليّ حينها أنها لغة كلدانية أو أَمازيغية.
.
فخجِلتُ من نفسي أن كنتُ أعادي ما لا أعرِف، وتيقّنت بأن المهتمين بهذا الذي كنتُ أظنّه خزعبلات ليسوا مجانين ولا جُهالاً، بل الجاهل المسكين هو حضرتنا، التي كانت تعتقد بأنّ الأرض يمشي عليها عالمٌ يفهم ما لا يفهمه الأوائل ولا الأواخر مع أنّها (سين) من النّاس.
.
فرَجعتُ لنفسي واتّهّمتُ حصاتي، وتيقّنتُ بأنّ محاصرة الطلاب بنوعية من العلوم مع إقصاء غيرها بل والتحريض على تركها جنايةٌ كبيرة على الأطفال والمراهقين والشباب، فلتَعذُرني السّينات والصّادات أن اتهمتُها يوماً بالعبَثية.