في آخر تحول تشهده وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA، داعبت الوكالة عالم تويتر في أول تغريدة لها على موقع التواصل الاجتماعي: “نحن لا نستطيع أن نؤكد ولا أن ننفي أن هذه أول تغريدة لنا.” كم هي طريفة! أكثر من ربع مليون شخص أعادوا تغريد ما تم وصفها بأنها “أفضل أول تغريدة ممكنة”. لا عجب في ذلك: إحدى أكثر المؤسسات سرية في العالم تنتقد نفسها بمرح ذكاء!
إليكم قصة ليست بهذا الجمال. كان والداي من بين عدة عائلات من مقاطعة جنوب يوركشاير في بريطانيا الذين قاموا باستضافة لاجئين هاربين من نظام أوجيستو بينوشيه في تشيلي في سبعينيات القرن العشرين. كانت سيلفيا امرأة من تشيلي عندها طفلين. زوجها كان قد قُتل، وكانت هي قد تعرضت للتعذيب، ولأنها لم تستطع أن تتحمل ذكرياتها الأليمة، انتهى بها الأمر بأن قفزت من أحد الأبراج السكنية في مدينة شفيلد البريطانية وماتت. سيلفيا هي إحدى ضحايا الطغمة العسكرية الحاكمة التي استولت على الحكم في تشيلي في 11 سبتمبر 1973 بمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بعد أن أعلن هنري كيسنجر: “لا أرى السبب الذي يجعلنا بحاجة للوقفو جانبا ونرى بلدا يتحول إلى الشيوعية بسبب عدم إحساس شعبه بالمسؤولية.” المعارضون تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب وقُتل الآلاف منهم بطرق وحشية.
بالطبع فإن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ليست الوحيدة التي تريد أن تحسن صورتها: هناك حملات علاقات عامة يقوم بها جميع الطغاة أيضا. أول ميناء يمكن أن يلجأ إليه هؤلاء هي شركة العلاقات العامة التي يديرها اللورد بيل، الذي كان المسؤول الإعلامي لرئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر. خدمات هذه الشركة تشمل تنظيف مقالات ويكيبيديا المحرجة ونتائج البحث المسيئة في جوجل. دكتاتور كازاخستان الموالي للغرب نور سلطان نازارباييف محترف في حملات العلاقات العامة، وقد استأجر خدمات توني بلير بتكلفة كبيرة. المجلس العسكري الحاكم في بورما أطلق شعار “بورما الجديدة” الذي يشبه إلى حد بعيد شعار “حزب العمال الجديد” في بريطانيا.
وكالة الاستخبارات المركزية قد تحاول أن تنظف سجلاتها، ولكن بما أن العالم لا يزال يتعامل مع نتائج تدخلاتها الكارثية العديدة، يجب أن لا يُسمح لها بالنجاح في ذلك. مصطلح “الإرهاب” يُستخدم عادة عند الإشارة إلى أعمال العنف التي يرتكبها أشخاص معادون للغرب. ولكن إذا فهمنا المصطلح على أنه يشير إلى أعمال إرهابية لغايات سياسية، فإن وكالة الاستخبارات المركزية هي بالتأكيد أعظم منظمة إرهابية على وجه الأرض.
في العام الماضي، تم الكشف عن أن وكالة الاستخبارات المركزية ساعدت صدام حسين في استخدام الأسلحة الكيماوية في 1988. خشية من اختراق عسكري إيراني وشيك، مررت الوكالة مواقع القوات الإيرانية إلى السلطات العراقية، رغم علمها المسبق أن الجيش العراقي سيستخدم الأسلحة الكيماوية. تدخل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في العراق يعود إلى أبعد من ذلك التاريخ. في 1963، أطاح حزب البعث بإدارة عبدالكريم قاسم اليسارية، وقُتل آلاف الشيوعيين بمساعدة قوائم قدمتها وكالة الاستخبارات المركزية. ولا يزال العراق حتى اليوم يعاني من التفكك وأعمال العنف الدموية.
تقديم قوائم بأسماء المعارضين للطغاة كان أحد اختصاصات الوكالة. في 1965، كانت إندونيسيا مقراً لأكبر حزب شيوعي غير حاكم في العالم. خشية من انزلاق البلد إلى المحور الشيوعي، قدمت وكالة الاستخبارات المركزية لزعيم الانقلاب الجنرال سوهارتو قوائم بأسماء اليساريين. قُتل حوالي مليون شخص نتيجة لذلك. تقرير داخلي في وكالة الاستخبارات المركزية قال “كانت تلك إحدى أبشع المذابح الجماعية في القرن العشرين”.
وفي عام 1953، نظمت الوكالة، بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية، الانقلاب ضد رئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق بعد أن حاول تأميم صناعة النفط الإيرانية، وأعادت تنصيب شاه إيران.
وأفغانستان لا تزال تعاني من نتائج دعم وكالة الاستخبارات المركزية للمجاهدين في فترة الاحتلال السوفيتي للبلد في ثمانينات القرن العشرين.
لائحة الاتهامات طويلة لدرجة مخيفة. برنامج فينيكس الذي نفذته الوكالة في فيتنام أدى إلى مقتل عشرات الآلاف في الفترة بين 1965-1972. الانقلابات المدعومة من الوكالة في البرازيل، الدومينيكان، وبوليفيا؛ فرق القتل المدعومة من الوكالة في جواتيمالا ونيكاراجوا والسلفادور. هناك أسئلة يجب أن تجيب عليها الوكالة حول دورها في محاولة الانقلاب الفاشلة ضد هوجو شافيز في فنزويلا في 2002.
من مصلحة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أن تصنع لنفسها صورة جديدة لطيفة. وبسبب الفشل الذريع للإعلام الغربي في فضح ما تقوم الوكالة فإنها قد تعتقد أنها ستنجح في ذلك. لكن سجلها في التعذيب والقتل وقلب الحكومات الديمقراطية يتحدث عن نفسه. مهما كانت حملة الوكالة على تويتر ذكية، علينا أن لا ننسى ذلك.