تبين لي أن معظم الراقصات العربيات يعرفن التاريخ السياسي للبلدان العربية أكثر وأفضل منا. لأنه اتضح أن كثيرا من المفاصل السياسية لا تحفظ التاريخ، لكثرة كذبها عن الحقائق السياسية العالقة بالأرض وخاصة أمام الأداة الإعلامية الجبارة والتي لا ترحم ولا تنسى، ولا تكذب، ولا تغش، ولا تخدع. دائماً أتذكر قيمة الراقصة والسياسي، وكيف استنفد السياسي كل رصيده من الكذب الذي في مخزونه الاحتياطي.
حتى إن كثيرين منهم يكرر نفس الكذبة، ولكن التفاصيل تختلف في كل مرة وموقف وحدث. والراقصة هي القادرة على تذكر الحقيقة عن السياسي، وهي صاحبة الكلمة النافذة في كثير من المواقف. ويتفق السياسي والراقصة في أنهما يسعيان إلى إرضاء من يطلب منهما، فالسياسي يرضي سامعيه وشهوات حكامه، أما الراقصة فهي ترضي جسد وعين ومشاعر من يدفع ليتفرج على رقصها. لأن قضيتها ووظيفتها هي أن تشبع الرغبات والشهوات، والسياسي يتهرب من الحرج والاعتراض والمساءلة ويكره الامتعاض. فالراقصة عملها انقلابي على القيم والثوابت والأخلاق، والسياسي انقلابي على كل الخطوط الحمراء، ويستهدف تغيير هندسة القضايا لتغليب المصالح والغايات والمطامح والمطامع، بتغيير آخر، لا يعرفه الجميع، وإن ترتب على ذلك حفره لكثير من الحفر العميقة لأعدائه وخصومه. والسياسي جاهز بتفصيل المبررات بطريقة ترج وتهز وتخض مصالح الآخر. وهذا ما أوجد الخلل الدائم في عمله. الراقصة تؤدي عملها بغير تحريض، أما السياسي فعكسها تماماً، لأن السياسي يرقص على مداعبة ودغدغة الحرية والمصالح العليا، بعكس الراقصة فهي ترقص جسدها لتشبع جميع الشهوات والملذات، ولا يهمها ما يقوله العقل والضمير، وهنا يتفق السياسي مع الراقصة وإن كانت غير جميلة، طالما أن جسدها جميل يحرك ويهز الشياطين قبل البشر.
والله يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، وساعة العرض، وأثناء العرض.