في هزيع ليلة الثلاثاء الخامس من شهر جمادى الأولى للعام خمسة وثلاثين وأربعمئة وألف للهجرة.. شحب وجه الأرض، وقل وهج النجوم، وتوارى القمر خلف السحاب يلملم بقايا حزن.. وألم فراق..وأُطفئت الأنوار التي كانت تشع من جسدها الطاهر..وسكن ذلك الجسم النحيل الذي كان يحمل مشعل النور ويطوف به فيمن حوله جمالاً ولطفاً وحناناً..صعدت تلك الروح إلى السماء كالبلورة تشق طريقها بين الغيوم مضيئة متوهجة..إلى أعلى عليين حيث أرواح النبيين والصديقين والشهداء..صعدت روحها العذبة لتسعد بها السماء كما سعدت الأرض ومن فيها!
توفيت أمي منذ وقت قريب!
سأحدثكم عنها، عن بعضها، عن قليلها المعتاد!
قليل لا يذكر.. لا يُعد.. في قاموسها (النضالي)!
لها من اسمها أوفر الحظ والنصيب!
لا.. بل أُشتق الاسم منها..من ضوئها الخافت الحنون..من وهجها المبهج، من عبقها الفواح.. أسموها (منيرة).. صدقوا ورب الكعبة!
كم كانت مُنيرة.. مُضيئة.. تنسلُ أشعة ضوئها حول المكان!
لم تكن شمعة تحترق لتضيء من حولها!
بل كانت تحرق من حولها.. من شدة توهجها!
كان الجميع يشعر بالطمأنينة في وجودها!
إذا حضرت أرخت السكينة أسدالها على المكان!
وإن غابت تسمع لمن حولها نحيب الصبيان!
هي هكذا.. ورب محمد!
نحيلة الجسم.. عالية الهمة..
تهتز تحتها الأرض.. خوفاً.. وطرباً.. وشوقاً.. وحيرةً من سيرها.. وصبرها!
حملت أثقالاً لو وضع بعضها على جبل لخر.. وعلى بحر لطاش!
أثقالاً تحملها مبتسمة.. راضية.. ماضية.. وحال لسانها »فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور«!
أحار، فيم أبتدئ.. وكيف انتهي؟
لا بداية لجمال روحها، ولا نهاية لعظيم تضحياتها!
أكاد أجزم أن كل من عرفها مدين لها!
بل حتى فقط من نظر في عينيها ولو صدفة لها حق عليه!
كيف لا؟
وقد أدخلت السرور إلى قلبه.. وبعثت الأمل في صدره. وأقسم بالله ثلاثاً كأنها ملَك أُنزل من السماء!
صفحات حياتها دستور قيم. لم تبلغه الأفهام.. ولم تطقه الأقلام.. ولم تستطع الصفحات تحمّل ما فيه من ألم.. ألم كانت تخوضه بابتسامة ساحرة ونظرة آسرة!
سأخبركم.. سأحكي لكم بعضها.. وشيئا من قليلها!
في ذلك المساء الحزين عادت من عيادة الطبيب الذي أخبرها أن ابنها مريض ويحتاج لعلاج مركز، ربما يكون طويل الأمد قليلاً!
وضعت يدها على رأس ابنها الصغير وقالت: هون عليك بني، إنما يبتلي الله من يحب.. فاعلم أن الله أحبك، لذلك ابتلاك! لم يدرك ذلك الطفل ما تقول أمه.. وما كانت تعلم من خبره.
كنت قد بلغت من العمر سبع سنين حينما أدركني مرض (الدرن)..ذاك المرض الذي كان عدو الأم اللدود، خاضت معه معارك عاتية نحو ثلاث عشرة سنة..معارك ضارية بلا نصل سيوف ولا صهيل خيول.. تسلحت فيها باليقين والصبر..متمتمة «إن مع العسر يسرا«!
تلك السنون التي خاضتها الأم محمّلة بوعثاء سفر، وشفقة قلب، وهاجس ليل، ودعاء مُلّح، وتذلل لرب العباد.. تهتز شفتاها في كل حين بترانيم آيات الكتاب الكريم «وإذا مرضت فهو يشفين«!
كنا نسكن في ذلك الحي العتيق الضيق..حي (الخنساء) الذي كان لا يبعد عن الكعبة المشرفة سوى كيلو متر واحد.. يختلط فيه مزيج من أجناس وثقافات شتى!
كان والدي ـ رحمه الله تعالى ـ مشغولا بتوفير لقمة العيش لأبنائه..في كل يوم يخرج قبيل الفجر.. يرمي بمعطفه على كتفه.. متكئاً على عصاه..لا يعود حتى يوفر ما يلم شعث بطون أطفاله! أوكل أمرهم إلى خالقه ثم إلى زوجته!
من ذلك الحي تنطلق رحلة السفر العلاجية التي تقودها الأم ممسكة بيد ابنها الصغير.. مودّعة أبناءها الأربعة، ملقية إليهم نظرة عطوفة، حانية، هامسة «أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه»!
تسير بخطاها مسرعة بين يديها طفلها الذي يحاول الركض مسايراً خطوات أمه للّحاق بأول تاكسي مسافر إلى مدينة الطائف حيث كان العلاج والطبيب المختص.. كانت حالة ابنها تستدعي السفر كل يوم أربعاء من كل أسبوع إلى مستشفى الصدرية العام بالطائف.. ذلك المستشفى الذي عرفت أماكن انتظاره الطويلة والمملة، وشهدت كراسيه الحديدية وجود الأم قبل الوقت المحدد بساعات طوال، خوفاً أن يضيع الموعد المضروب لابنها!
ثلاث عشرة سنة قضتها بين عيادات المستشفى ومختبراته..التهمت سني عمرها، وظهر أثر ذلك على تقاسيم وجهها الذي كسته التجاعيد، وتوسد رسم المقاعد على ظهرها! لم يرَ طفلها جزعا منها ولا فزعا.. تبتسم في وجهه مذكرة له بالفرج بعد طول الصبر.
بين جنبات المستشفى الذي عرفها أكثر مما عرفته كانت تسطر أروع التضحيات.. تضحي ليشفى طفل، تضحي ليسعد، ليعيش، ليركض، ليضحك، ليلعب، ليتزوج، لينجب، ليحيا حياة كريمة مرددة «وما تشاؤون إلا أن يشاء الله»!
ساعات انتظار طويلة تخفي خلالها دموعا تنهمر، ألما شديدا في الظهر والأرجل، شوقا وخوفا على أبناء أربعة تركتهم خلفها.. خبرا حزينا من الطبيب عن حالة طفلها، بل أدق التفاصيل تضنيها.. صراخ طفلها كلما أدخل الجراح الإبرة في معصمه لسحب دمه الذي نضب من كثرة ما يُحلّل.. أو عندما يدخل طفلها إلى تصوير الأشعة..
وإن تعجب فجميع أمرها عجب! كان الطبيب يروعه دقة حرصها على التفاصيل وكأنها تقرأ ما تحويه الأوراق المخبرية والصور الإشعاعية من نتائج وهي أميّة لا تقرأ ولا تكتب، ويعجب من دقة حضورها دون انقطاع طوال تلك السنين، ويقول مردداً تلك الجملة التي ما زال صداها في أذني »في الوقت المحدد«.
أحوال تعتريها في ذلك المستشفى.. لم تكن تحمل هم طفلها فقط في لحظات الانتظار، بل كل من حولها تسأل عن أخباره وحاله وتدمع عينها لألمه ومآله.. هي في ذاك حتى تُجلس ابنها على الكرسي منتظرة ما يقرره الطبيب بعد مطالعة نتائج التحليل وتصوير الأشعة.. ويأتي الجواب في كل مرة: ما زال الدرن حبيس الجسم.. وهي تردد »الحمد لله على كل حال«!
تعود بنفس الطريق الذي جاءت منه، وبنفس تلك الخطى المسرعة لتعود لحيها العتيق (الخنساء).. وبيتها الذي يؤوي فلذات كبدها لترى ما حلّ بهم بعد رحيلها.. في كل رحلة تحدوها الأماني أن ينتهي كل هذا في وقت قصير، وأن هذا الأمر لن يطول أكثر من بضعة أشهر.. ولم تكن تعلم أن الدرن سيظل حبيس جسد طفلها طيلة ثلاث عشرة سنة! كلما عادت من سفرها أنشدت «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون»!
انقضت تلك السنون وجاء الخبر السعيد بعد طول صبر وانتظار عن زوال المرض وشفاء الشاب بعد أن كان طفلاً.. شفي تماما من الدرن وخرج بلا رجعة.. خرت الأم لربها ساجدة حامدة مثنية على كرمه وعطائه!
عاشت تلك الأم تتقلب في التضحيات وكأنها الهواء الذي تستنشقه لأجل طفلها.. ضحت بكل شيء، وجعلت وقتها له تراقب كل حركاته وسكناته، فرحه وألمه.. ضحت في سبيل الزوج والأبناء والأقارب ومن عرفت ومن لم تعرف! تضحيات لو سودت بها الصحائف لطاشت وجفت الأقلام.. كانت هذه ثلاث عشرة سنة من قليلها الذي لا يُذكر.. أرويها باختصار.. دون تفاصيل!
نحل جسمها، وشحب لونها، وتهاوت قوتها، وأسلمت روحها لبارئها في ليلة حزن خيمت على أرجاء مكة المكرمة..
ها أنا أقف على شفير قبرها، أتذكر تلك السنين العجاف التي مرت بي وبها.. أقف وكأنها تبث نوراً من لحدها، لأستمد من قوتها وصبرها وتضحياتها، لتتعلمها الأجيال من بعدنا كما تعلمناها من بعدها.