تعديات أراضي الحرم من عصر الخلافة

نبه الأستاذ في قسم الهندسة المدنية بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور عمر سراج أبورزيزة، إلى تعديات مقننة تطال حرم المشاعر المقدسة بإصدار صكوك استحكام لتلك الأراضي لتحويلها إلى ملكية خاصة، بعدة مواقع أثرية منها عين زبيدة والسدود التي بنيت لحماية الحرم المكي الشريف منذ عصر الخلافة الإسلامية الراشدة، داعيا إلى وقف هذه التعديات

نبه الأستاذ في قسم الهندسة المدنية بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور عمر سراج أبورزيزة، إلى تعديات مقننة تطال حرم المشاعر المقدسة بإصدار صكوك استحكام لتلك الأراضي لتحويلها إلى ملكية خاصة، بعدة مواقع أثرية منها عين زبيدة والسدود التي بنيت لحماية الحرم المكي الشريف منذ عصر الخلافة الإسلامية الراشدة، داعيا إلى وقف هذه التعديات

الجمعة - 26 ديسمبر 2014

Fri - 26 Dec 2014



نبه الأستاذ في قسم الهندسة المدنية بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور عمر سراج أبورزيزة، إلى تعديات مقننة تطال حرم المشاعر المقدسة بإصدار صكوك استحكام لتلك الأراضي لتحويلها إلى ملكية خاصة، بعدة مواقع أثرية منها عين زبيدة والسدود التي بنيت لحماية الحرم المكي الشريف منذ عصر الخلافة الإسلامية الراشدة، داعيا إلى وقف هذه التعديات.

وأكد أبورزيزة في تصريح لـ»مكة» أن التراث الهندسي في مجال السدود والقنوات والبرك والعيون، ثري جدا في هذه المنطقة، ويندر أن يوجد له مثيل في منطقه أخرى، مضيفا: من المحزن أن تجد منشآت تبنى على تلك الآثار الإسلامية، والأغرب من هذا أن تصدر صكوك استحكام لتلك الأراضي، رغم أنها في الأصل أوقاف تخص الدولة، وموقوفة على المشاعر المقدسة تحديدا، لافتا إلى أن مشروع عين زبيدة مد مكة المكرمة والمشاعر المقدسة بالمياه العذبة لما يربو على 1300 عام، إذ تعرضت أراضيه ومنشآته المختلفة، ومغاذي المياه، والشعاب وبطون الأودية فيه لتعديات متتالية تماثل بل ربما تزيد على ما تعرضت له السدود التي بنيت لحماية المسجد الحرام والمشاعر المقدسة والحجاج والمعتمرين والأهالي والمجاورين.



مكافحة التعديات



وتابع: أصدر الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز -رحمه الله - أمره بإزالة كل تعد أو أي منشأة لا يملك صاحبها صكا شرعيا يثبت ملكيته لها، مع تصريح رسمي يجيز إقامة تلك المنشأة، وعهد إلى إمارة المنطقة والأمانة والجهات الأخرى ذات العلاقة بالتنفيذ، كما وجه وزارة العدل وأمانة العاصمة المقدسة بعدم استخراج صكوك استحكام أو تصاريح بناء أو حفر آبار بوادي نعمان، ولكن لا تزال التعديات قائمة، بل وتستجد تعديات أخرى أو يعاد بناء ما أزيل.

وأردف أبورزيزة: حين تولى إمارة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل كان حازما صارما فوجه الجهات المسؤولة بإزالة جميع التعديات في وادي نعمان التي لا يملك صاحبها صكا يثبت ملكيتها وتصريحا رسميا بالبناء، والأمل معقود الآن على الأمير مشعل بن عبدالله بن عبدالعزيز الأمير الشاب الخلوق، ليتفضل مشكورا مأجورا، بإكمال المسيرة وهو أهل لذلك.

وأكد أن المحافظة على هذا المصدر المائي التاريخي لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة كما ونوعا سند مهم لمياه التحلية ومكمل لها، يستخدم بعد خزن المياه الجوفية فيه إلى الحد المستهدف في التصميم، مشيرا إلى أن هناك مشاريع في مناطق أخرى تعوق التعديات إنشاءها، وكثيرا ما تحمل الصحف السعودية أخبارها بصورة شبه مستمرة، حتى إننا نكاد كل يوم نطالع خبرا أو أكثر، عن مشروع متعطل بسبب تعديات على أرضه.



آثار إسلامية



وقال: لقد تعددت أشكال وظواهر التعديات، فبعد أن كان التعدي في صورة قطعة واحدة من الأرض أصبح التعدي يأخذ شكل مخططات، ورغم أن الدولة تضرب بيد من حديد على المتعدين إلا أن هناك تزويرا للصكوك، وحيلا وتصرفات نسأل الله العافية والسلامة، وأن يعين المسؤولين ويوفقهم وييسر لهم سبل إقامة المشاريع النافعة للوطن والمواطنين، داعيا رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار الأمير سلطان بن سلمان إلى اعتماد منشآت مشروع عين زبيدة ضمن الآثار الإسلامية التي يجب الحفاظ عليها.



7 أسباب تمنع التعدي



أكد أبورزيزة أن منشآت عين زبيدة تعرضت لتعديات كبيرة، ابتداء من مغاذي المياه وحتى شرائعها، مشيرا إلى تأثيرات سلبية للتعدي على السدود والقنوات والمنشآت ومغاذي المياه والشعاب والأودية في المشاعر المقدسة وفي مكة المكرمة وما حولها، اقتصاديا وبيئيا وحضاريا واجتماعيا أكثر من أن تحصر.

وقال: من أهم هذه التأثيرات تأخر تنفيذ المشاريع الحيوية التي تخدم الحجاج والمعتمرين والأهالي المقيمين، ومن هذه المشاريع التي لم تر النور بعد بسبب التعديات ثمار مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - لإعمار عين زبيدة والتي تتمثل في عدة مشروعات مهمة منها:




  • 1 - بناء سد جوفي لحجز المياه الجوفية عند نقطة التفتيش القريبة من عرفات.


  • 2 - بناء شبكة آبار خلف ذلك السد لتزويد عرفة، ومزدلفة، ومنى ومكة المكرمة بالمياه في حال حدوث أي طارئ لمياه التحلية.


  • 3 - إبقاء مجاري المياه الطبيعية ومغاذي المياه والشعاب في الأودية على ما هي عليه حتى تتمكن المياه من الانسياب في مجاريها الطبيعية دون إعاقة سريانها أوحدوث مشكلات.


  • 4 - أن التعدي بإقامة منشآت يحول أراضي عين زبيدة من منطقة زراعية إلى منطقة حضرية، ما يؤدي إلى ارتفاع معامل الجريان السطحي للسيول ويجعل بعض المخططات السكنية كالعوالي، والحسينية، وجامعة أم القرى بمبانيها الإدارية والسكنية والتعليمية عرضة للسيول ذات الآثار السلبية الكبيرة.


  • 5 - مخاوف من حدوث تلك النوعية من السيول يوم عرفة أو عند الصعود إليها، أو عند النفرة إلى مزدلفة فقد تتعرض تلك المنطقة لسيول قد تلحق خسائر كبيرة في الأرواح.


  • 6 - أن المساس بحركة جريان السيول أمر في غاية الخطورة، ومن ثم يجب الاهتمام بهذا الأمر المهم وإعطاؤه عناية خاصة.


  • 7 - التحذير من إعاقة السريان السطحي في وادي نعمان ووادي عرنة خاصة عندما يسيل الواديان معا.



سدود الخليفة



وأشار أبورزيزة إلى الاهتمام الجلي الواضح من ولاة أمور المسلمين عبر التاريخ الإسلامي المجيد بالمشاعر المقدسة وبالحج والحجاج والمعتمرين، بدءا من الخليفة الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقد بنى المدعى ذلك الردم العظيم في حي المدعى المقابل لباب المروة من المسجد الحرام الذي يشاهد الواقف عليه الكعبة مواجهة له، وقد ظل حتى عهد قريب يحمي المسجد الحرام من سيل وادي إبراهيم - عليه السلام - وشعابه، لافتا إلى أن ذلك السيل كان يلج المسجد الحرام من طريق باب بني شيبة المسمى باسم سدنة المسجد الحرام آل الشيبي نسبة إلى جدهم شيبة بن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة - رضي الله عنه - الذي دفع الرسول - صلى الله عليه وسلم - مفتاح الكعبة إليه.

وأضاف: كان هذا الباب قريبا من الكعبة الغراء ومقام إبراهيم - عليه السلام - وكان المكيون يسمون ذلك الباب باب السيل، ولعل الذي دفع الفاروق - رضي الله عنه - لأخذ قرار بناء أول سد في الإسلام ذلك السيل العظيم الذي ضرب مكة المكرمة في ولايته المباركة - رضي الله عنه - ودخل المسجد الحرام واقتلع مقام إبراهيم - عليه السلام - وجرفه إلى حي المسفلة جنوب مكة المكرمة، وحينما وصل الخبر إليه، أسرع قادما فزعا إلى مكة المكرمة في رمضان محرما بعمرة لتدارك هذا الأمر العظيم، وسمي هذا السيل بسيل أم نهشل نسبة إلى المرأة المخزومية التي لقيت حتفها فيه.



سدود العصر الأموي



وأكد أبورزيزة تتالي اهتمام ولاة الأمر ببناء السدود حماية للحجاج والمعتمرين والمجاورين والمواطنين أيا كانت ديارهم، فبنى معاوية بن أبي سفيان أول أمراء بني أمية في 58هـ أي قبل نحو 1400 عام، سدا عظيما لا يزال شامخا في الطائف، يشهد على عظمة المسلمين وقتئذ في الهندسة والبناء والتشغيل والصيانة.

ويستمر توجه ولاة الأمر لهذه الأعمال الجليلة حماية للحجاج والمعتمرين والمقيمين والمجاورين، فكانوا ينشئون من السدود ما تدعو الحاجة إليه، فأنشئت سدود منها سد الثقبة الذي بني في عصر بني أمية والذي هو أحد خمسة سدود كلها في المشاعر المقدسة أو قريبا منها بغرض الحماية (مثل سد أوثال في مزدلفة، سد الحجاج الثقفي تحت جبل الأحدب «ثبير النصع»).

وأوضح أنه على يقين بأن هناك سدودا أخرى قد اندثرت وأصبحت أثرا بعد عين، مشيرا إلى توالي هذه الأعمال الجليلة في العصر العباسي، إذ حول الخليفة المهدي -رحمه الله- مجرى وادي إبراهيم - عليه السلام - حماية للمسجد الحرام ومرتاديه، فكان عملا هندسيا رائعا عظيم النفع، إذ حول مجراه بعيدا عن المسجد الحرام، وموضعه القديم المقاطع للمسعى هو المعلم الآن بالمصابيح الخضراء التي يهرول تحتها الساعون إحياء لسنة السيدة الجليلة هاجر - رضي الله عنها - في هرولتها ببطن ذلك الوادي نزولا وصعودا واقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم-.



سدود العصر العثماني



وأشار الدكتور أبورزيزة إلى أنه في العصر العثماني أيضا أقيمت عدة سدود اندثر معظمها، وبقي منها سدود صغيرة في وادي بشم، ووادي العشر، وغيرها أنشئت كلها بغرض حماية الأهالي والحجاج وممتلكاتهم، وبنى العثمانيون ما عرف ببئر ياخور، وهي قناة تنقل مياه بعض شعاب وادي إبراهيم - عليه السلام - إلى المسفلة جنوب مكة المكرمة.

سدود العصر السعوديوأردف بأنه في العصر السعودي الزاهر حول مجرى وادي إبراهيم -عليه السلام- إلى ما بعد الصفا، وبنيت قنوات أرضية لمنع المياه من دخول المسجد الحرام ونقلها إلى المسفلة، ومن أشهر تلك السدود سد الملك عبدالعزيز - رحمه الله - وسد وادي جليل وغيرها.

كما مدت الحكومة السعودية مجرى قناة بئر ياخور عدة كيلومترات خارج مكة المكرمة ليصب في أسفل وادي إبراهيم - عليه السلام -.