عبير حيدر

جيل الشاشات (Z & Alpha): لماذا لم تعد الورقة وحدها تكفي؟

الخميس - 15 يناير 2026

Thu - 15 Jan 2026


دعونا نكن صادقين مع أنفسنا ونسأل: هل علاقتنا اليوم بالورقة والقلم تشبه علاقة آبائنا وأجدادنا بها؟

والسؤال الأهم هو: هل علاقة أولادنا وطلابنا (من جيل Z وجيل Alpha) بالكتابة تشبه علاقتنا نحن؟

الإجابة الواضحة هي: لا.

تشير تقارير تعليمية حديثة إلى أن أكثر من 80% من طلاب الجامعات حول العالم اليوم يعيشون حياتهم الدراسية عبر الشاشات (الحاسوب، الآيباد، الهاتف) وأصبحت الورقة والقلم «ضيوف شرف» خاصة بعد المرحلة الابتدائية.

ومع ذلك، لا تزال كثير من الممارسات التعليمية تركز على الكتابة التقليدية فقط، وكأنها الشكل الوحيد المقبول للكتابة.

نحن هنا لا نتحدث عن المرحلة الابتدائية وتأسيس الطفل، فتعلم رسم الحروف وضبطها باليد مهارة أساسية لا غنى عنها. لكن حديثنا عن المراحل التي تلي إتقان الحروف والأصوات، حيث يصبح السؤال مختلفا: هل نعلم الطالب «الكتابة» التي سيستخدمها فعلا في حياته اليومية والمهنية؟

خطأ تربوي شائع: «من يتقن كتابة التعبير المدرسي، سيتقن الكتابة الالكترونية والإيميلات تلقائيا.» وهذا من أكثر الافتراضات انتشارا في التعليم اللغوي.

إلا أن الكتابة الرقمية ليست مجرد نقل للأفكار من الورقة إلى الشاشة، بل هي مهارة مستقلة تتطلب كفاءات إضافية، من أهمها:
  • الوعي بالجمهور: لمن أكتب؟
  • فهم السياق: أين تنشر هذه الكتابة؟ وعلى أي منصة؟
  • فن الاختصار: كيف أوصل فكرتي بوضوح وفي أقل عدد من الكلمات؟
  • المسؤولية الأخلاقية والثقافية.
  • القدرة على التعبير عن الرأي دون إساءة أو التباس.
في المقابل، نجد أن الكتابة المدرسية التقليدية غالبا ما تكون:
  • موجهة للمعلم فقط.
  • أحادية الصوت.
  • مفصولة عن الواقع الاجتماعي الحقيقي.
ومن هنا، نجد أن تدريس الكتابة الرقمية ليس «رفاهية» تكنولوجية، بل هو جزء أساسي من إعداد الطالب للعالم الحقيقي، وليس لعالم الامتحانات فقط.

لماذا تعد الكتابة الرقمية مسألة محورية مع جيل (Z) بالتحديد؟
لأن هذا الجيل لا يكتب ليحصل على «درجة» في الامتحان فقط، بل يكتب ليثبت وجوده! بالنسبة لطلابنا، الكتابة هي فعل يومي مستمر. هم يكتبون لأنهم:
حاضرون باستمرار في الفضاء الرقمي (تعليق، منشور، رسالة، رأي)، يكتبون أمام جمهور حقيقي، وليس أمام معلم واحد. يحاكمون اجتماعيا وثقافيا قبل أن يحاكموا لغويا.

تشير دراسات في التربية الرقمية إلى أن الطالب الجامعي يكتب يوميا عشرات الرسائل والتعليقات، بينما قد يكتب «موضوع تعبير» واحدا فقط في الأسبوع.
لذلك، فالكتابة بالنسبة له فعل تواصل يومي، لا مهمة مدرسية مؤجلة.

وهنا تحديدا تتقاطع الخطورة والفرصة.

تحدي خاص بمتعلمي العربية (الناطقين بغيرها):
في تعليم العربية، تتعقد المسألة أكثر:
  • قد يكتب الطالب جملة صحيحة لغويا، لكنها غير مناسبة ثقافيا.
  • أو ينقل أنماط التفكير والتعبير من لغته الأم إلى فضاء عربي له حساسيات مختلفة.
لذلك، نحن لا نعلم فقط «كيف تكتب الجملة؟»، بل نعلم: «كيف تقال الفكرة في هذا الفضاء الثقافي تحديدا؟» وهذا هو جوهر الكتابة الرقمية العابرة للثقافات.
هل يعترف العالم الأكاديمي بالكتابة الرقمية؟

نعم، وبشكل واضح. حتى إن الكتابة الرقمية لم تعد هامشية، بل أصبحت جزءا أصيلا في أعرق البرامج الأكاديمية:
  • University of Virginia
تقدم مساقات مثل Advanced Topics in Digital Writing & Rhetoric.
  • DePaul University
تطرح مقرر Digital Writing ضمن تخصص Writing & Rhetoric.
  • University of Michigan – Digital Studies Institute
تقدم مقررات مثل Writing with Digital and Social Media، بل وWriting with ChatGPT.

كيف ندرس الكتابة الرقمية عمليا؟
1 - التدريس بالمهمات الواقعية (Authentic Tasks):
بدلا من الطلب التقليدي «اكتب موضوعا عن الصداقة»، نقدم مهام من قلب الواقع:
  • اكتب تعليقا محترما وتفصيليا على هذا الخبر.
  • اكتب منشورا تعريفيا بتجربة شخصية.
  • صغ ردا مهنيا على رسالة في LinkedIn.
  • اكتب رسالة اعتذار قصيرة.
  • قم بمراجعة كتاب أو فيلم (100-150 كلمة).
2 - التدريس بالأنواع النصية الرقمية (Digital Genres):
نعلم الطلاب الفروق بين:
  • منشور الرأي ومنشور التجربة.
  • التعليق الداعم والتعليق النقدي المحترم.
  • الاستفسار المهني.
  • Thread قصير من ثلاث نقاط.
3 - تدريب الطالب على الوعي بالجمهور والسياق:
تسبق كل مهمة ثلاثة أسئلة ثابتة:
  • لمن أكتب؟ (الجمهور).
  • أين سأنشر؟ (المنصة).
  • ما الهدف؟ (الإقناع، الشرح، أم التعبير عن مشاعر؟).
وهذا يتوافق مع ما أقره CEFR Companion Volume من الاعتراف الرسمي بالتفاعل والكتابة الرقمية.

4 - استخدام التعدد الوسائطي بحذر
الإيموجي، الهاشتاغ، الرابط، الصورة، كلها عناصر دلالية، وليست مجرد زخارف.
كيف نصحح الكتابة الرقمية؟

أفضل نموذج هو Rubric ثلاثي الأبعاد:
  1. العدسة اللغوية: (الإملاء، النحو، وضوح الجملة).
  2. العدسة التداولية (Pragmatics): (مناسبة الصياغة للغرض، درجة الحدة أو المباشرة).
  3. الحساسية الثقافية (أسلوب الطلب أو النقد، تجنب التهكم أو التقليل).
أدوات صفية مساعدة:
  • سجل الأخطاء المتكررة (Error Log)
  • التصحيح عبر مسودات متعددة.
  • التصحيح بالنماذج.
  • التصحيح الجماعي المجهول.
ويمكن دعم ذلك بإطارات مثل Civic Online Reasoning (Stanford) لتنمية التفكير النقدي الرقمي.

أهم التحديات في التدريس:
  • تداخل اللغة بالهوية.
  • السرعة والاختزال.
  • المجاز والسخرية.
  • الفصحى والعامية والهجين الرقمي.
  • التقييم العادل (الدقة أم التأثير أم الملاءمة؟)
ماذا يعني هذا لدور المعلم؟

المعلم اليوم لم يعد مصحح أخطاء فقط، بل أصبح موجها للخطاب ومدربا للوعي اللغوي والثقافي، وشريكا في التفكير.