بتراجع وسائل الوعي التقليدية التي تعتمد على التفكير وليس التلقين، كاد المثقف العربي أن يضيع ولا يدرك أيّاً من الاثنين: بلح الشام أو عنب اليمن. وكل هذا بسبب أنّ كثيرين من المثقفين يعتمدون على استدعاء المعلومة الجاهزة على علّاتها، بطرف الأصابع بدلاً من البحث والتنقيب في أمهات الكتب والمراجع العتيقة. فقد حلّت التقنية محل العقل وأصبحت تفكّر نيابة عنه، وتتذكرّ أيضاً، مما رجّح أن يكون استسهال التطور التكنولوجي سبباً في تدهور الثقافة واللغة العربية.
أخذت محرّكات البحث في نسختها العربية مثل قوقل، على عاتقها عبء تذكر تاريخ مولد ورحيل أدباء وفنانين أسهموا في الفكر والثقافة العربية ردحاً من الزمن، دون أن نذكرهم نحن. يتذكّر قوقل ميلاد ووفاة عظماء مثل: ابن الهيثم، ابن خلدون، نجيب محفوظ، عبدالحليم حافظ، وأم كلثوم، وغيرهم، بينما نردّد وراءه صدى الذكرى.
صحيح أنّ زخم الكتب الالكترونية يُفقد الإحساس برائحة الكتب ومتعة تصفحها، وصحيح أنّ الكتابة والقراءة الكترونياً يسّرت الكثير، ولكن طغيان الصورة وتسطيح الوعي خلق مثقفين موتورين بعيدين عن واقعهم. فالمثقف الحقيقي يتم تكوينه على مدى زمن طويل في عمل متواصل من القراءة والاهتمام بها بشكل تراكمي. أما الآن فنحن نطالع مثقفاً هشاً ارتبطت ثقافته بالمطالعة السطحية لكتابات أكثر تسطيحاً لا ترعى حرمة لغة ولا تلتزم بنحو ولا صرف.
وهذا التأسي على حال اللغة ليس لكونها ضلع الثقافة الأكبر، الموصّل والناقل ووسيلة الخطاب فحسب، وإنما لهوانها والتعامل معها بإهمال لا يرتقي بالتعامل مع لغة القرآن الكريم. ونحن إذ ننعاها فإننا ننعى في ذاتها التي تم بها تدوين التاريخ العربي قديمه وحديثه، درره وانتصاراته وانتكاساته. وكذلك لكونها أبرز مظاهر الثقافة العربية فإنّ سقوطها اليوم بين أيدينا يُعد فشلاً ذريعاً لنا وللثقافة الجامعة التي شكّلت الوجدان العربي لكل من نطق بها حتى وإن اختلطت أعراقه واندمج مجتمعه في مجتمعات أخرى مغايرة ومختلفة في خصائصها الثقافية.
يعلن المشهد الثقافي العربي يوماً بعد يوم هوان اللغة العربية على أمة اقرأ، بينما هي رافلة في وهم أن تكون الأعلى كعباً بين الأمم. وما أوصلنا إلى هذا الموقف هو التحدي الماثل أمامنا في وجود مثقف اليوم يملؤه الكسل والحيرة في عالم متحرك تسود فيه التقنية المعلوماتية، وتتقافز شتى أنواع المعلومات من كل منهل تدور بها محركات البحث من كل لون، بينما يقف هو موقف المتفرج، يرتضي أن يتم حشر اللغة العربية الغنية بطبيعتها كتراث واسع في ثوب الاستخدام الضيق، وتتحول إلى رموز مقتضبة ضيقة الأفق مجسدة بلا روح.
هناك أسباب عديدة لتراجع الثقافة العربية في وجه الثقافات الأخرى، أهمها تردي وضعف اللغة العربية في وجه لغات أخرى. كما أنّ جزءاً من مجتمعنا استسلم لثقافة التسطيح والإبهار الفارغ، والجزء الآخر استسلم لأهداف الإعلام الموجه الذي أخذ يشكّل المتلقي كما يريد، فيصوغ أفكاره ويوجه رأيه ويدفعه لتبني آراء لا تمت إلى واقعه بصلة. وإن كنا نشجع الانفتاح على الآخر بالشكل الذي يصوغ ثقافة الإنسان ويسهم في تقبل الآخر المختلف، فإننا بالتالي من الواجب علينا أن نحترم ما لدينا حتى لا يضيع لساننا.
الحل إذن بالاعتزاز باللغة العربية دون تشدد وإعادة الاعتبار لمكوناتها المختلفة، ليس في المهرجانات، ولكن في عدم الاستهانة بها والإنسلاخ عنها إلى لا شيء. وأيضاً في وضعها في مكانها اللائق، فاللغة في أي ثقافة هي مفتاح الدخول للغات الأخرى ومعرفة الثقافات المختلفة. ولأن مجتمعنا لم يعد كما كان عليه قبل سنوات قليلة، فهناك متغيرات محلية وعالمية لا بد أن يتماشى معها كل من يؤمن بسنّة التطور. كما أنّ التقدم مع الانفتاح على ثقافة كونية أكثر تأثيراً، برعاية اللغة العربية وتطويرها سيشعر الجيل الحالي بقيمته كي يستطيع التعبير عن آماله وتطلعاته بلغته حتى لو أجاد غيرها.
يعلن المشهد الثقافي العربي يوماً بعد يوم هوان اللغة العربية على أمة »اقرأ«، بينما هي رافلة في وهم أن تكون الأعلى كعباً بين الأمم.
ملهاة اللغة ومأساتها
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
