مولع أنا -كلما سافرت- بزيارة قيعان المدن العربية.. أرى إنسانها المنشغل بلقمة العيش مغموسة في الطين -الذي هو منه- وعرق الجبين الشديد الملوحة.
كان السائحون من الخواجات هم الأكثر عشقاً لهذه الهبهبة، يأتون كل يوم ومنذ الصباح الباكر إلى القاع من فنادقهم المرصعة بالنجوم.. يسرحون بأقدامهم الناعمة في الأزقة مع القطط الضالة الشرسة بألوانها الحائلة، تتلقّى رؤوسهم النذر اليسير من ماء الغسيل المنشور، والوفير مما تجود به «المرازيب»، فيتقافزون ويضحكون بعد كل «غسلة» بالصابون أو بدون صابون!
هنا، الذباب النَّهِم «المستهرش» يشن الغارات، بطلعات متتابعة، على دكّان الجزّار.. لم تستطع «المنشة» اليدوية، ولا مروحة السقف الكهربائية، أن تسقط من أسرابه ذباباً كثيراً، مثلما كان الإذاعي الشهير «أحمد سعيد» يسقط الطائرات المقاتلة بالمئات في حرب (67).
ولم تكن معارك بائع «الدندرمة» وبائع «الحلاوة مطُّو» مع الذباب أحسن حالا.. كان يمكن لـ»بخّاخ البلدية» أن يحسم المعركة، في زمن قصير، لولا أن فؤاده كان فارغاً، مثل «سيارة المطافي» الخالية من الماء، بعد آخر حريق أخمدته في دكان نجّار الحارة.
....
حينما يعتريك ذلك الإحساس بالحبور، تخف.. وتعوم.. وتطير، لكنك لا تلبث أن تهبط من عليائك إلى هناك.. كأن هذا الجسد الذي لم يتحرر من سطوة الجاذبية كان يحلّق.. فلا الأرض هي الأرض الساكنة تحت قدميك، كأنّما الأرض فرّت من ثوانيها ودقائقها.. حتى عقارب الساعة التي كانت تركض ما عادت سياط الوقت تلهب ظهرها لتلفّ وتدور!
أشهر الروايات وأجملها كتبت هنا.. لكن من يوزعون جوائز «نوبل» والـ»أوسكار» لم يقرؤوها ولا رأوها إلا في الكُتب والأفلام!
الأقدام الناعمة.. في قاع المدينة!
يحيى باجنيد2 دقائق للقراءة

حجم الخط
