لم نسمع أو نشاهد – فيما أعلم - منذ عرفنا – في الأقل - وسائل التواصل الاجتماعي الشبكية، إعلان احتفالات يدَّعي أصحابها الانتساب إلى قطاع من قطاعات العمل، ويحتفلون بإعفاء رئيسهم الأعلى من منصبه، كما حدث بسبب إعفاء معالي رئيس هيئة الأمر بالمعروف، الشيخ عبداللطيف آل الشيخ، ممن يدَّعون الانتساب إلى جهاز الهيئة أو مناصرتها.
وإلى ذلك فإنها احتفالات لم تكن عفوية ولا فردية، بل تعدَّدت في أشكالها وفي أماكن حدوثها وفي كثرتها، للدلالة على الرغبة في مجاوزة الشعور الذاتي بالمناسبة إلى نقله إلى الآخرين وإشهاره وتعميمه! فمن عبارات تصف الشكر لله في سجود شخصين إلى جوار سيارة الهيئة، إلى اجتماع أيدي عدد من الأشخاص على تقطيع «تورتة»، ونشر دعوة عامة باسم «المحتسبين» في إحدى المناطق لتناول طعام العشاء في مقر الهيئة، وإعلان أحد المقاهي على بوابته تقديم المشروبات الساخنة مجاناً بهذه المناسبة. وهذا غير مقاطع اليوتيوب التي يُنحَر في أحدها بعير، ويُطلَق رصاص الكلاشينكوف في آخر، ويعرض ثالث تسجيلاً لاتِّصال ساخر وشامت بالشيخ بمناسبة إعفائه... الخ!!
هذا السلوك قد يبدو –لأول وهلة - نوعاً من «الشماتة» وهي الفرح ببليَّة الآخرين وما يصيبهم من مكروه وضُر، بسبب العداوة لهم أو الحسد (إن اتفقنا – سلفاً - على وقوع بليَّة أو ضر في مثل هذه الحالة، ولم نقف عند تفسير من فرح بها). وإذا كانت الشماتة مناقضة لأخلاق المروءة والشهامة، فإنها – خصوصاً - مناقضة لأخلاق الاحتساب الذي يتطلب الارتفاع عن أهواء النفس ورغبتها في التشفي والانتقام. لكن المعنى الكامن هنا يجاوز «الشماتة»؛ لأن الشماتة شعور، والأمر هنا لا يقتصر على الشعور بل يترامى إلى فعل، وذلك بدلالته على الرغبة في تحرير أعضاء الهيئة من أي سلطة تشبه سلطة الرئيس السابق؛ السلطة التي بدت لنا في مطالبته أعضاء الهيئات بالالتزام بلوائح وأنظمة إجرائية محدَّدة، وفي الإقرار بالأخطاء والاعتذار عنها، والتحقيق في التجاوزات من قبل لجان من منسوبي الهيئة، وإصدار عقوبات لم تتعد نقل من تثبت إدانتهم إلى العمل في مناطق أخرى.
ماذا يعادي أصحاب الاحتفالات في ما فعل الرئيس السابق؟! هل يريدون من معالي الرئيس الجديد أن يلغي الأنظمة واللوائح؟! أو يتجاوز عن المعتدين من أعضاء الهيئة؟! هل يتفق هدف المجتمع وهدف الهيئة عندئذ؟! إن هذه الأسئلة تثير الصفة المؤسسية لجهاز الهيئة، فلم يكن معالي الرئيس السابق يعمل لوحده، ولم يصدر أحكامه ويضع قراراته من عند نفسه، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن التظلم ضد القرارات التعسفية والفردية مشروع، ووقف التعسف والاعتباطية مطلب ينبغي الوفاء به من رئيس الهيئة مثلما الوفاء به من قبل أفرادها. هكذا تدلنا احتفالات الشماتة تلك على أن مشكلة الهيئة ماثلة في أوضح ما تكون في استعصاء بعض أعضائها على النظام، وتعاليهم على المحاسبة، وتوهمهم النزاهة من الأخطاء. وهذه دلالة تتضمنها الاحتفالات وتتضمن معها الإشارة إلى مقدار التحدي الذي يواجهه معالي رئيسها الجديد!
أكبر من الشماتة بمعالي رئيس الهيئة!!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
