بين يدي وزير الثقافة والإعلام الجديد مهمة صعبة، وهو يعي حجمها وأبعادها. ولا نزايد عليه في إدراك مهام واختصاصات وزارته؛ التي تخاطب قطاعا من البشر في الداخل والخارج، ولا تقتصر أدوارها على تقديم خدمة إعلامية محلية فقط، بقدر ما تعنى في جانب من جوانبها؛ بتقديم العقل السعودي، كيف يفكر، وبماذا يفكر، وكيف يعرض فكره؟
ولا أشك بأن الوزير الجديد، يعي أيضا حجم التطلعات التي يعقدها عليه الوطن والمواطنون، جماهير ونخبا. والتي يعقدها عليه العالم، الذي تمثل بلادنا متجها له، ومتطلعا تروم مجتمعاته اكتشافه والتعرف عليه. وإذا كانت هذه الوزارة تضم في سجلات تاريخها؛ وزراء تولوا أمرها بعد تقاعدهم من أعمالهم، فإن الوزير الجديد يتبوأ هذا المنصب كأول عمل وظيفي حكومي في حياته. ومن هنا يجيء انتظارنا لما سيقدمه في هذا الجهاز الحيوي والاستراتيجي من أجهزة الدولة، الذي من بين مهامه عرض صورتنا وثقافتنا وفكرنا للخارج، في الوقت ذاته الذي يكشف فيه ويصنع، ويعرض تلك الصورة والثقافة والفكر للداخل. ويعيد وصل الناس في المحيط الوطني به، بعد أن انقطعوا عنه ردحا من الزمن. لأنهم ملوا تكلسه، وأدركوا أن كثيرا مما تعبأ به مؤسسة الإعلام لدينا، لا يعبر عنهم..، ولا يتماس مع الواقع الذي يعيشونه.
ومن المفارقات، التي شاء القدر أن تتزامن؛ وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، طيب الله ثراه، وتولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أيده الله، مقاليد الحكم في بلادنا.
وكان جهاز الإعلام الأبرز في بلادنا؛ التلفزيون بقنواته كافة؛ دون مستوى هذين الحدثين المهمين، والتحوليين في مسيرة بلادنا.
حيث قُدم الحدثان تلفزيونيا، بالأدوات ذاتها، وبالرؤية ذاتها، وبالأداء ذاته، الذي عهدناه من عشرات السنين، وقس على ذلك مناسبات وطنية ودينية، وأخرى عالمية، تتقزم - دون الوعي بأهميتها، ومواكبتها وتقديمها احترافيا - قدرات جهازنا الأثير: التلفزيون.
أما وجه المفارقة الآخر؛ فهو جرافيتي الفنان والرسام السعودي أحمد زهير، الذي اجترحه من قلبه الحزين، ونقشه على أحد جدران كورنيش جدة، بعنوان: (وين رايح...؟).. واستوقف آلاف السعوديين، وتناقلته وسائل التواصل الاجتماعي، وقدمت قناة العربية تقريرا عنه، واستدعى آلاف التعليقات، وحقق طفرة في نسبة المشاهدة والتلقي، سواء بشكل مباشر، أو عبر أقنية التواصل الأخرى.
في حين كان تلفزيوننا مشغولا بمتواليات مذيعيه الإنشائية المعهودة، يستضيف مسؤولين من قطاعات مختلفة، بأحاديث مكررة، وتعليقات مألوفة عن الحدث، وجاءت مواكبته كعادتها، على تلك الهيئة الفاترة، والأداء التقليدي الباهت.
ونحن لا نصادر، ولا نشكك في مشاعر أحد، فكلهم صادقون محزونون بلا شك، ولكننا نتحدث عن الإعلام الجديد، في القرن الواحد والعشرين. وعن الرؤية التي تعرض من خلالها تلك المشاعر، وتقدم بها تلك الأحداث.
وبمقارنة صنيع الفنان زهير، الفردي المبدع والخلاق، بصنيع مؤسسة إعلامية، تمتلك القدرات والطاقات والكوادر والآليات، نلاحظ الفرق الشاسع، في مسألة حساسية مقاربة الحدث، وطرائق التعامل معه، وفوارق المسافة في إبرازه، وإيصال تداعياته إلى أذهان ووجدان الناس.
الوزير الجديد الشاب، يمتلك خبرة أكاديمية، وخبرة عملية إجرائية في مجال الإعلام الجديد. ولذلك سيفاجأ، أو ربما لن يفاجأ، بأن فكر هذا الجهاز وفلسفته بحاجة إلى تغيير، وأن كتلة بشرية في جهاز الإعلام غير مؤهلة. ولعله قريب من نبض الشارع، ليعرف أن مهنة مذيع.. أو مراسل؛ باتت مهنة من لا مهنة له. وبوسعه مقاربة ذلك عبر مشاهدة برنامج (صباح التلفزيون) السعودي، أو تقارير مراسليه داخل بلادنا، ليتأكد أن بعضهم يعمل في التلفزيون (خارج دوام، وخارج كفاءة وتأهيل)، وليعرف أنه لا توجد استراتيجية إعلامية لدينا، وليعرف أن بيئة إعلامنا؛ بيئة طاردة للكفاءات الوطنية المهنية، والاحترافية في هذا المجال، وليعرف أن قناتي القرآن والسنة التلفزيونيتين؛ مكرر مطابق لإذاعة القرآن الكريم؛ مشاهدة.
وليعرف أنه كان بوسع القناتين، الإفادة من الثراء العلمي والآثاري والتاريخي والاجتماعي في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وهو ما يمكن أن نقدمه للعالم الإسلامي على الأقل؛ عن ثقافتنا، وآثار وزخم حضارة الإسلام، التي حبا الله بها هاتين المدينتين المقدستين، لأنه يعلم مكانتهما في وجدان المسلمين، وهو ما لم يجد من يستثمره، أو يقدمه برؤية إعلامية واعية، ومهنية، يمكن أن تؤثر وتجتذب، وتقدم رسالة بلادنا، ومواقفها، ويكون لها دور في التأثير في الرأي العام داخليا وخارجيا.