أكد الناقد الدكتور محمد الدبيسي أن الرواية في المدينة المنورة واكبت الطفرة الاقتصادية منذ بداية التسعينات الهجرية من القرن المنصرم، والتي أحدثت آثارا واضحة وتغيرات ملموسة في المجتمع السعودي، ما أحدث تغيرا في التركيبة الديموغرافية في شتى المدن والحواضر السعودية.
وأشار الدبيسي إلى أن جل هذه المظاهر والتغيرات، التي انعكست على المنظومة الاجتماعية، وكرست بعض الأفكار في الذهن الجمعي، حاولت الرواية المدينية رصدها وقياس تأثيرات ذلك على الفرد والمجتمع، الذي مسَّته تلك التغيرات في العمق من تكوينه النفسي والاجتماعي.
وأكد الدبيسي أن الفترة ما بعد 1420، تعد الأكثر خصوبة في إنتاج الروائيين المدنيين، حيث صدرت ثماني روايات، كان نصيب الكاتبات المدنيات منها خمس، وهو إسهام يراه الدبيسي مقبولا نسبيا في إطار نسبة الإنتاج الروائي في أدبنا الوطني.

وداعا أيها الحزن

تمثل رواية «وداعا أيها الحزن» لمؤلفها غالب حمزة أبو الفرج أنموذجا للرواية الاجتماعية الحفية بالمكان المدني، الذي تدور أحداثها فيه، وتكتسب منه بعض مكونات وسمات شخصياتها.
ويلفت الدبيسي إلى قضية جزئية بالغة الأهمية في عمل غالب أبو الفرج، أراد الكاتب أن يُضمر قوة دفعها وتوجيهها للأحداث في هذه الرواية، وهي علاقة البطلة (سلمى) بـ (طلال) وأسباب عدم زواجه منها في البداية، التي تكمن بالفارق المذهبي بينهما، واختار الكاتب لهذه الجزئية الحدثية مواضع نصية تشير إليها، دون أن يصرح بها في بداية الرواية، وانطلق أولها من التحديد الجغرافي لبيئة سلمى (في قباء والعوالي، وهي أنثى نحاسية اللون) مشيرا إلى أن لهذا التوصيف تداعياته التي تتوارد في ذهن العارفين بالنسيج السكاني في المدينة المنورة، والاتجاهات المذهبية لتكتلاتها السكانية، ويعود للتصريح بذلك، على لسان شقيق سلمى متحدثا عن (طلال): «إنه يهوى فتاة، ساهم النحاس في طلاء وجهها الصبوح..».
ويقول الدبيسي، الذي قدم قراءته النقدية ضمن دراسة موسعة عن «الفنون السردية في المدينة المنورة من 1344-1432» ينتظر أن تصدر قريبا: أراد الكاتب أن يؤصل بعدا ثقافيا يعكس حيوية المجتمع المدني، وتجاوز مأزق المذهبية.

الطيبون والقاع

ومن الروايات التي عنيت بالاتجاه الواقعي الاجتماعي: رواية «الطيبون والقاع» للكاتب علي حسون، وهي من المحاولات الأولى لكتابة رواية فنية عند أدباء المدينة المنورة باعتبار تاريخ صدورها، الذي يوافق مُضي نصف قرن، منذ انضمام المدينة المنورة لسيادة الدولة السعودية في 1344، وتصور الرواية جانبا من جوانب الحياة الاجتماعية لمرحلة ما بعد ذلك العام بلغة تسجيلية، حيث يحضر فيها المكان (المدينة المنورة) بطوابعه ومكوناته الأصيلة، المرتبطة بحياة الناس ومعيشتهم اليومية، وتستشرف الرواية، كما يعرض الدبيسي، ملامح التغير الذي اخترق هذه البنية الاجتماعية والمكانية ومكوناتها، يقول على لسان (عباس): «منذ كنا أطفالا نقيم مكان السواقي على حافة قنطرة الماء في الحي المسكون حبا ووفاء...قبل أن تحيله (البلدوزرات) إلى شارع تطحنه السيارات يوميا».

جاهلية

تطرح رواية (جاهلية) للروائية ليلى الجهني قضية (السُّود) في المجتمع المحلي، كما تختار (المدينة المنورة) فضاء سرديا تشكَّلت فيه أحداث الرواية، وفي اختيار المكان ما يحيل إلى سؤال افتراضي استوعبته الرواية ضمنيا، وهو: هل يتحقق في هذه المدينة ذوبان الحدود، والاختلافات في اللون والعرق، وفق ما رسخته الهجرة النبوية الشريفة في هذا المكان، من قيم تعامل ومبادئ حاكمة للمنظومة البشرية فيه.

أيام العطش

وترى كاتبة مدنية أخرى، الإطار الاجتماعي ذاته، نافذة إلى ممانعة إقصائية أخرى بسبب (الجنسية) كانت سببا في منع الارتباط، وذلك من منظور وبناء نصي مختلفين، ومواربة في تسمية المكان، وذلك في رواية «أيام العطش» لمريم الضاني، التي حظيت بمواصفات الرواية الفنية، بالصيغة البنائية التقليدية المحكمة التي اعتمدتها الكاتبة.