إن شئنا أن ننجو من لحظتنا التاريخية الصعبة الراهنة، فينبغي علينا ألا نسمح للمتغيرات (السياسية) بهدم الثوابت (الأخوية) التي لم يتبق غيرها من العروبة!
لدي ملاحظة أساسية واحدة تتعلق بالسجال الخشن المحتدم في الفضائيات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بين المغردين والمفسبكين من قطر ومصر والسعودية والإمارات: لقد كففنا حتى عن شَتْم إسرائيل؛ نظرا لانشغالنا بشتم بعضنا! ولا أعني بذلك انحيازي لمواجهة إسرائيل بالشتائم، فهي سلاح الضعيف المقهور، ومواجهة الكيان الغاصب تكون بالعمل الدائب لنصبح أقوى في مواجهته.
لكنني أعني أن بعض العرب تفرغوا تفرغا مرعبا خلال السنة المنصرمة لممارسة أسوأ أنواع البذاءة الموجهة إلى بعض العرب!
بذاءة لم يرد لها مثيل في نقائض جرير والفرزدق، وشتائم اخترعتها اختراعا قرائح جهنمية، لتمس أعراض السعوديين والمصريين والقطريين والإماراتيين مساسا أليما جارحا، يصعب بعده أن تعود الأمور إلى مجاريها حين تنصلح الأحوال بين الساسة والقادة.. وهذا هو المخيف.. إذ إنني أومن أن ما تبقى من رابطة العروبة الآن ليس أكثر من ذلك الدفء (الأخوي) الذي تستشعره الشعوب تجاه بعضها، بعد أن انكمش التيار السياسي القومي العربي انكماشا يوحي بوشك زواله، فلم يعد يقرب بين المغاربة واللبنانيين، وبين السعوديين والسودانيين..إلا هذه المشاعر (الأخوية) التي صارت الآن (الثابت) العربي الوحيد تقريبا..
وهو ثابت لم تستطع خلافات الساسة والقادة –فيما سبق- أن تقضي عليه أو أن تضعف منه، فقد ظلت الشعوب العربية بحكمتها الغريزية قادرة على الفصل بين (المتغير) وهو خلافات حكامها، و(الثابت) وهو الأخوية العميقة التي تربط بينها..
هذه المعادلة التي ظلت متزنة ومنضبطة لعقود طوال، والتي كانت تمكننا بقدر معقول من الثقة أن نتحدث عن (الأمة العربية الواحدة من محيطها إلى خليجها) اختلت فجأة اختلالا فادحا وخلال عام واحد فقط!
فبعد أن انحازت الإدارة القطرية انحيازا تاما لحكومة الإخوان المسلمين في مصر تلك التي أطاح بها الشعب المصري في الثلاثين من يونيو عام 2013 ووظفت مؤسستها الإعلامية ذات الانتشار الواسع لدعم الإخوان المسلمين، ومكنت أقطابهم من إلقاء الخطب النارية على منابر مساجد الدوحة، يوزعون فيها التهم على خصوم الإخوان في كل مكان، ويدعون لشن حرب مقدسة لاستعادة دولة الخلافة الراشدة بقيادة المرشد ورجاله..!
بعد ذلك مباشرة سقط جدار الحماية العربي، المتمثل في الفصل بين (الشعب) و(الحاكم) وبين (السياسة) المتغيرة و(الأخوة العربية) الثابتة..
فانطلق بعض الكتاب (العرب) عبر الصحف المطبوعة والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي يمزقون لحوم الشعوب وينتهكون أعراضها ويهينونها علنا، وتشكلت أحلاف عبر شاشات الفضائيات المتناحرة، مهمتها الطعن في (الشعوب) والحط من شأن الدول ورموزها والسخرية منها...
وصارت الشتائم المنهالة من كل طرف تصب على رؤوس القطريين والسعوديين والمصريين والإماراتيين.. فهؤلاء جواسيس وعملاء وخونة وأولئك أذلاء وجبناء ولصوص..
والجمهور العربي الذي يتابع ما يكتبه (مفكروه) وما يقوله (فضائيوه) من (هيستريا)، تنتقل إليه العدوى، وتختلط لديه قوائم الأعداء والأصدقاء، وبدلا من أن يوجه طاقاته الذهنية لفهم وتحليل المواقف السياسية، فإنه يفرغها في كراهية عمياء لهذا الشعب أو ذاك، الذي اتخذت قيادته هذا الموقف أو ذاك!
وهذا هو الخطر الفادح الذي أخشاه على أمتي؛ أن تفتك متغيرات السياسة بين حكامها بثوابت الأخوة بين شعوبها..
حينذاك لن يكون لنا الحق في أن نتشدق بعروبتنا التي نغتال آخر روابطها هذا الاغتيال الوقح.
إن الاختلاف في المواقف السياسية حق لكل دولة عربية ولكل مواطن عربي، واحترام الاختلاف ملمح رئيس من ملامح التحضر والمدنية، لكن تحويل بعض مثقفينا وكتابنا هذا الاختلاف إلى عداوات يريدونها دائمة بين الشعوب، يماثل في خطورته على الأمة العربية هزيمة عسكرية ثقيلة بوزن هزيمة 1967..
ونحن وإن كنا قد تشبثنا بعروبتنا بعد 1967 واستطعنا استعادة توازننا ثم انتصرنا في حرب 1973 فإننا لم نتمكن من ذلك إلا بالتكاتف والتلاحم بين الشعوب العربية..
تكاتف وتلاحم يهدده الآن الشتامون اللعانون أعداء الشعوب على تويتر وفيسبوك وعبر الفضائيات.