ستبقى القبيلة قدرا جميلا لا انفصال عنه أبدا في المجتمع العربي، وستبقى رمزا للأصالة والشهامة والتعاون والتكافل، وستمثل في النفوس امتداد التأريخ وعبق الماضي، ومن ظن أنها يمكن أن تذوب أو تتلاشى مع الزمن فهو واهم، ومع ذلك كله ومع اعتبار الإسلام لها وملاحظته لدورها وتأكيده على توجيه هذا الدور في كلام يطول ذكره، إلا أن الشرع، والعقل تبع له، يقتضي ملاحظة ذلك الميزان الدقيق بين كون القبيلة لبنة قوة ووحدة واجتماع، وكونها، في الوقت نفسه، نقطة افتراق وتشعب واختلاف عند اختلال هذا الميزان.
والمعول عليه في وضوح هذا الميزان دائما هو الوعي الشرعي لدى أفراد المجتمع بخطورة العصبية وأضرارها وحرمة الطعن في الأنساب والقدح فيها، وأن التقوى فقط هي معيار الكرامة الحقيقي عند الله تعالى، كما أن العلم والسلوك والإنجاز هي ميدان تفاضل الناس في واقع الحياة وليس العنصر أو الآباء والأجداد، وأن ما منّ الله عليهم به من اجتماع تحت رابطة النسب إنما هو لتحقيق التواصل والتعاون على البر والتقوى وضرب النماذج الرفيعة في ذلك، وليس للتعالي والترفع على عباد الله، وتقع مسؤولية ملاحظة ذلك على شيوخ هذه القبائل ورؤوسها ومثقفيها، فهم من يسمع لهم ويؤتمر بأمرهم، أما إذا ترك الأمر لسواهم فلن نسمع إلا خطاب العنصرية المقيت، والذي يظهر، بكل أسف، هذه الأيام لدى شباب كثر في الأوساط القبلية وتسمعه واضحا في قصائد نبطية لا نهاية لها قد امتلأت بهذا المعنى.
وإذا كان من رأي عام في هذه العجالة، فهو أن تلتفت قبائلنا الكريمة - وقد بدأ هذا فعلا - إلى استثمار هذه الصلة لتعزيز جوانب التفوق الحقيقية، كالعناية بالجوائز العلمية السنوية في الجوانب الشرعية وفي الجوانب العلمية المادية، وفي مجالات العمل العام وقطاع التجارة والأعمال ونحوها، وأن تعزز صور التكافل الاجتماعي المرادة شرعا من خلال إنشاء وضبط وتطوير عمل (الصناديق) التكافلية، وأن تؤطر لقاءاتها العامة دائما بضوابط صارمة تحفظها من الانزلاق إلى الزوايا المحظورة، وأن تتجه إجمالا لاستثمار هذه الرابطة لتحقيق معاني صلة الرحم، ووحدة المجتمع، والمساهمة في بنائه وتعزيز القيم النبيلة الرفيعة عند عموم أفراده من خلال المبادرات المتنوعة في هذا السياق.
من أي قبيلة أنت؟
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
