في إحدى المناسبات التقيت شخصا ينشط في مجال حقوق الإنسان ومناهضة العنف، وقد عمل مستشارا لشخصية سياسية لبنانية بارزة، وعمل ضمن وفد بلاده في الجمعية العامة للأمم المتحدة. امتد اللقاء لمدة ساعة ونصف الساعة، تحدثنا فيها عن كل شيء، إلا أن الثورة السورية أخذت الحيز الأكبر من حديثنا. بحكم عمل الشخص بمجال حقوق الإنسان، فهو يتعامل مع كثير من الشخصيات الدولية والمنظمات الحقوقية والجهات المانحة والداعمة لبرامجه، بعد حديثنا عن تحفظ الإدارة الأمريكية عن التدخل المباشر في سوريا ومنعها لدول بعينها من إمداد الثوار بأسلحة نوعية لحسم الثورة، بالإضافة إلى غض الطرف عن الأسلحة المتدفقة من إيران والعراق لنظام بشار لإطالة أمد الصراع، ذكرت له أن أمريكا عندما أرادت تدمير العراق بكافة أجهزته احتاجت دفع مبلغ ثلاثة ترليونات دولار، بينما بسياستها هذه إزاء سوريا استطاعت أن تدمر سوريا دون أن تخسر دولارا واحدا! وأكدت أن سياسة الإدارة الأمريكية هذه ليست ناجمة عن تردد أو عجز بقدر ما هو خيار اتخذته عمدا لتدمير سوريا البلد والحضارة والإنسان. فأجابني مؤيدا لما ذهبت إليه، وأكد أن هذا هو خيار الرأسمالية الجديدة وأباطرتها الذين يهيمنون على الحياة السياسية الغربية، وأضاف «عدد دول العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بالكاد يصل لخمسين دولة، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وصل لما يقارب خمسة وسبعين دولة، وفي 2010 وصل عدد دول العالم لما يقارب مئة وسبعين دولة! أي بعد قرن من الآن ربما ستصبح كل بلدة دولة، فبهذه الطريقة يصبح العالم قرية كبيرة أو بالأحرى دولة واحدة، فهم لا يؤمنون بالطريقة القديمة التي سلكتها الأمم القديمة لتوحيد العالم عن طريق الغزو والاحتلال المباشر، بل يتيحون المجال أمام القوى المتطرفة والمتناحرة ليفني بعضها بعضا ويمزقون أوطانهم، ثم يتخلصون منهم بطائرات «الدرونز» وبأقل تكلفة ممكنة». انتهى هذا الجزء من حديثنا.
والآن نرى جميعا كيف سلمت الإدارة الأمريكية دفة العراق لأكثر القوى السياسية تطرفا، وهو حزب الدعوة الشيعي، وأصبح كردستان العراق دولة مستقلة، وهجّر ما يقارب مليوني عربي سني، بالإضافة إلى 600 ألف مسيحي عربي عراقي. والأمر ذاته يحدث لسوريا الآن، وقبلهما حدث للبنان التي هاجر منها 7 ملايين لبناني عربي في عملية ديموغرافية واضحة للموازنة مع إسرائيل.
ومثلما دعم الإنجليز الشريف حسين كخليفة عربي ضد الخليفة التركي واستغلال الغبن العربي لتمزيق الأمة الإسلامية، اليوم تفسح أمريكا المجال أمام إيران (ذات الشوفينية الفارسية تحت غطاء ديني) لممارسة دور أكبر في المنطقة لتأجيج حرب سنية - شيعية لتصبح المنطقة صومالا كبيرة. قد يقول قائل: هناك دول كثيرة تحولت ديموقراطيا عن طريق اللاعنف، وتنعم الآن بالمناخ الديموقراطي الحر، ونحن ما زلنا أسرى لنظرية المؤامرة؟، وهذا بلا شك تساؤل وجيه، لكن أدبيات الأمم والقوميات الأخرى تلك التي تحولت بسلاسة لا تمتلك أدبيات إمبريالية أو أطماعا توسعية كتلك التي يمتلكها سكان هذه المنطقة، فطوال ألف سنة، لم يهدأ الصراع بين المشرق الإسلامي والغرب المسيحي إلا منذ ثمانين عاما فقط بعد انهيار الخلافة العثمانية، بل وما زال مستمرا. ويبقى السؤال: هل هناك بلد أو أمة غير مستهدفة؟! بالطبع لا، فكل دول العالم مستهدفة؛ لكن لا أحد يستطيع تحقيق غاياته دون وجود ثغرات سياسية واجتماعية. والمنطقة كما هو معلوم، تعاني من غبن سياسي واجتماعي وسوء توزيع للثروات وتخلف حضاري وفساد على كل الأصعدة، وهناك سيمفونية متخشّبة يرددها أصحابها وتفيد بضرورة الكف عن المطالبة بإصلاح الوضع لوجود أخطار خارجية! وهذه النغمة لم تستفد منها الدولة العثمانية التي طالما رددتها وطالبت العرب وغيرهم بالكف عن مطالبتها بالإصلاح لوجود الخطر الإنجليزي. فإذن الأولى هو تعزيز الجبهة الداخلية لمواجهة أي تهديد خارجي من خلال إصلاح سياسي شامل، وتفكيك حقيقي لكل النظريات السياسية القديمة التي تؤمن بها المذاهب الإسلامية كنظرية التغلب والإمامية وغيرها من النظريات التي ما نزال رهنا لها إلى يومنا هذا.