لا شك أن ترسيخ مفهوم الوعي الإنساني لحالة الانسجام والتوافق بين الفرد وكافة علاقاته الأخرى يسهم في بناء حالة من الاستقرار في المجتمع، لأن أنواعاً كثيرة من العنف قد تحدث غالباً نتيجة لخلل في علاقات الإنسان بالمحيط الذي حوله.

يوم السبت الماضي فعل من جديد مغردون سعوديون هاشتاق #رسالة-سلام وأستطيع أن أوجز ما اتفق عليه غالبية المغردين، على أن الإنسانية هي الغاية في المعاملة مع الآخر دون النظر إلى معتقده ومذهبه وعرقه.

كانت لغة التسامح والمطالبة بالحوار والسمو بالأخلاق هي معاني مجمل التغريدات. حقيقة أن هذا الهاشتاق يأتي في ظل صراع محتد انجرف إليه كثير من أبناء مجتمع واحد تصارعوا في درجات وموجات متعددة من الإقصاء، قد يكون بعضها ممنهجاً والبعض الآخر عبثيا، الجميع في مواجهة الجميع، على طريقة «يا ذابح يا مذبوح» الكل يريد إقصاء الكل من المشهد ليظهر منفرداً.

وياليت الصراع على أمرٍ داخلي يهم الوطن وإنجازاته، لكنه للأسف هو ردة فعل لأحداث تحدث خارج الوطن، وأنا هنا لا أريد عزل مجتمعنا عن مناطق الصراع وتأثيراتها، لكن ليس إلى درجة التحليل العميق والدخول في وسط القضية وكأن الشأن شأننا، وأن تحديد مناطق الصراع بيدنا. كلٌ له الحق في إبداء رأيه دون تخوين أوتنكيل لرأي آخر مختلف.

ولعلي أضع مثالاً حياً ما زال حاضراً حتى هذه اللحظة، حول ما حدث في الثلاثين من يوليو إلى أن نُصب المشير السيسي رئيساً لجمهورية مصر العربية. في أثناء هذه الفترة شهدنا في تويتر معارك ضارية بين فصيلين لا ثالث لهما، ارتفعت أصوات بعضهم بالشتم والتخوين والازدراء في مشهد غاب فيه صوت العقل والتريث لما سوف تسفر عنه نتائج الأحداث. والمشكلة العظمى أن من يشارك في هذه الفوضى مجموعة من الكتاب والأكاديميين وبعض رموز دينية اختارت أن ترمي بأدب قيم الاختلاف عرض الحائط، لتسلك طريق النزاع والفرقة التي تهدم ولا تبني.

وما زاد الطين بلة، هو دخول بعض الإعلاميين والصحفيين في هذا الجدال المحتدم وممارسة سلوك الغوغائيين في الحوار بدلاً من احترام المهنة التي تطالب كل سالك لهذا المجال أن يلتمس طريق الحياد ما استطاع. ولعلي أشير هنا إلى المقالة الرائعة التي كتبها الدكتور أسامة النصار في صحيفة الاقتصادية حول مراعاة التمسك بضوابط وقواعد المهنة من قبل الصحفيين عند استخدامهم لمواقع التواصل الاجتماعي، وضرورة تجنب الاتصال العدائي. المقالة كانت بعنوان «الصحافي في زمن شبكات التواصل الاجتماعي» يمكن لبعض الصحفيين الذين لا يعلمون عن هذه القواعد العودة إليها.

أرجو أن نهدأ قليلاً «ونلعن الشيطان» ونرتقي في حواراتنا، صدقوني الوطن كبير ويحتضن كل الآراء، حتى القيادة تسمع وترى أن هناك آراء داخلية تختلف معها حول بعض سياساتها في المنطقة، ولم تكمم أفواههم أو تسجنهم، طالما أن ذلك في إطار الاختلاف دون تحريض أو محاولة لزعزعة واستقرار كيان الدولة.