يصدر مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة قريبا كتاب «التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة» والذي يعد واحدا من أهم المصادر في تاريخ المدينة المنورة وأعلامها للمؤرخ محمد بن عبدالرحمن السخاوي المتوفى 902هـ بـ11 مجلدا مع الفهارس، وذلك بعد أن ضمن المركز الثلث الآخر الذي تم العثور عليه أخيرا، وأعاد المركز صفه ومراجعته وتحقيقه.

الثلث المفقود

يؤكد المشرف على الشؤون العلمية بمركز بحوث ودراسات المدينة الدكتور محمد الشيباني في حديثه لـ»مكة» على اشتمال الكتاب على أكثر من خمسة آلاف ترجمة، وتبرز أهميته في حفظه لنصوص من مؤلفات تم تصنيفها في تاريخ المدينة وهي في عداد المفقودة اليوم، وسوف تفتح مجالا واسعا لمزيد من الدراسات حول تاريخ المدينة المنورة.
ويضيف الشيباني أنه وبعد العثور على الثلث الآخر قبل سنوات من الكتاب خصص المركز فريقا علميا لتحقيقه وصفه، وإعادة مراجعته وتدقيقه من جديد، وقد أنهى الفريق جميع مراحل تجهيز الكتاب والذي سيكون جاهزا للنشر خلال الأشهر المقبلة.

موسوعة ثقافية

ويتعرض السخاوي في مقدمة كتابه الذي يعد موسوعة تاريخية ثقافية علمية شاملة إلى أسباب تأليف هذا الكتاب، واتبعها بنبذة موجزة عن سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وعن المسجد النبوي وما يتعلق به، وذكر المساجد والآبار في المدينة، مع ذكر من استعملهم النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وأمراء المدينة حتى عصر المؤلف.
كما يتحدث عن مؤذني المسجد النبوي، وعن القضاة والأحوال التي عاشتها المدينة قبل عصر المؤلف، إضافة إلى معلومات مهمة تتعلق بالوضع الديني والاجتماعي في المدينة وموظفي المسجد النبوي والأعمال التي يقومون بها، ويتحدث عن المدارس في عهده، والأربطة، والمستشفى الصحي، والمواضئ.
ويتميز بحسب توصيف المركز أنه شغل مساحة زمنية طويلة، تمتد من مرحلة تأسيس يثرب في زمن قديم لا نعلمه إلى زمن المؤلف، بل إلى آخر سنة من عمره شعبان 902هـ حيث نجد تاريخا لأعلام، وأحداث وقعت قبيل وفاته بفترة وجيزة.

التاريخ والتراجم

يجمع الكتاب بين علمي التاريخ والتراجم، والذي يوطد الصلة بين الأحداث وصناعها، فالتاريخ عرض للأحداث، وعلم التراجم يضيف إلى الأحداث تفصيلات من سير صانعيها ما يفسر الأحداث، ويعمق فهمنا لأسبابها ونتائجها القريبة والبعيدة.
وحين يترجم الكتاب للأعلام ينظر إلى التاريخ بمفهومه الحضاري الواسع، فلا يقصره على رجال السياسة والإدارة، وأبطال الحروب، بل يمده ليشمل رجال العلم والثقافة، فنرى إلى جانب الخلفاء، والأمراء والقادة الفقهاء والمفسرين، والقراء وعلماء اللغة والكتاب، والشعراء، والعباد، وبعض المتميزين من أرباب الحرف وهؤلاء جميعا شركاء في صنع الحضارة.
وقد توسع المؤلف في نسبة الأعلام لطيبة، فلم يقتصر على الذين ولدوا وعاشوا فيها، بل ضم إليهم كل من زارها، وأقام بها ولو سنة واحدة أو درس في مسجدها، كما شمل الأعلام الذين كان لهم أثر فيها ولو لم يقيموا فيها، مثل أولئك الذين أوقفوا الأوقاف لها، أو أرسلوا الأموال لإنشاء المساجد والمدارس والمرافق الخيرية فيها.
ويتميز الكتاب بتتبعه لهؤلاء الأعلام، والأحداث التي صنعوها، أو كانت لهم صلة بها، وقد سد في هذا السياق ثغرات كثيرة في تاريخ المدينة المنورة، فثمة سنوات طويلة لا نجد أي حديث عنها في كتب التاريخ، فتأتي التراجم لتحمل أحداثا، يجد المؤرخ فيها بغيته في تصور وتصوير تلك الحقب.
فضلا عن جمعه في عرض الروايات بين المنهج التاريخي، ومنهج المحدثين، فيذكر إسناد الرواية، ويناقش بعض روايات الآخرين، ويبين صوابها، أو خطأها.
وبحسب المركز، يمثل الكتاب أغنى موسوعة علمية عرفت حتى الآن عن المدينة، وأثرى كتاب تراثي يقدم بشكل مباشر وغير مباشر معلومات تاريخية عن فترات مجهولة من تاريخ المدينة.
وكان مركز بحوث ودارسات المدينة المنورة قد أخرج هذا الكتاب قبل سنوات محققا في ست مجلدات في 1429هـ قبل العثور على الثلث الآخر والذي دفع إلى إعادة تحقيقه.