لا يحتاج سرفانتس إلى من يعرّف به بعد كل هذا الزمن الذي قطعته أعماله الأدبية العظيمة التي رسمت الحروب الدينية في عز اشتعالها، فقد عبر المخيال الإنساني حتى أصبح كاتبا عالميا بحق لأنه انتصر للإنسان. العالمية في هذا السياق، مقرونة بالضرورة بالدخول في الميراث التخييلي الجمعي والبشري، وليس مجرد نص يكتب ويترجم إلى العديد من اللغات الأجنبية. روايته العظيمة والاستثنائية، دون كيخوتي، عبرت حواجز المنع واللغات لتصل إلى ملايين القراء. مثل كتاب ألف ليلة وليلة الذي أصبح جزءا من هذا الميراث العالمي بعد أن خرج عن كونه نصا عربيا، أو شرقيا، أو آسيويا، وتحول إلى جزء من الثقافة الإنسانية بمعناها الأكثر اتساعا وتنورا.
كل من يقرأه يشعر بشيء منه فيه وكأن هذا النص يقوله عميقا. وهل هناك أكثر عظمة من أن ننتسب إلى نص، يبدأ تخييليا وينتهي بنا إلى واقع تقوله دواخلنا والأزمنة المتعاقبة. أي أنه يستطيع أن يلمس حتى مستقبل الأشياء التي نراها بشكل هلامي قبل أن تتضح بعد قراءته. لهذا عبرت هذه النصوص كل منافذ التلاشي والمحو والنسيان، بل وتتجدد باستمرار، وعلى مر العصور، وتجد قارئها المختلف حيث لا أحد ينتظره.
لهذا عندما أتحدث عن سرفانتس، فأنا أعني بذلك الطاقة الإنسانية الإبداعية الخلاقة المضادة للموت. هذا الرجل الذي كثيرا ما تتماهى صورته مع دون كيخوتي، كثيرا ما حار الناس في شكله. حتى اللوحة التي أنجزها له صديقه خوان دي جورجي، وعُثِرَ عليها داخل أغلفة من الطين، لم تقنع الكثيرين، وكأن الجميع يبحث عن وجه آخر لرجل نحيف يمتطي حصانا متعبا يغزو طواحين الهواء ويقاوم العمالقة. مع أن هذه الصورة هي المرجع الوحيد لشكله. لا نعرف شيئا غيرها عن رجل مقاوم لليأس، لا نراه إلا في نصه ومنه ننحتُ صورته.
رجل مقاوم لليأس بالكتابة
واسيني الأعرج2 دقائق للقراءة

حجم الخط
