لو كان (الماضي) قصيدة فبالتأكيد ستكون عربية، وستكون قافيتها الـ(آه)، وصوتها صليل السيوف، ورائحتها تحمل الغبار المتطاير من حوافر الخيل، ودماء الأعداء، ولكم تخيّل بقية المشهد!
وإن كان (نزار) يشكّ في عروبة من لا يقرض الشعر، فإنني على يقين أن كل عربي لا يرى له عزة ولا كرامة إلا بالماضي والماضي فقط، فلا حلول يطرحها (نخبتنا) للتطور إلا (بالرجوع)، أي إنه إذا أردنا أن (نتقدم) فيجب أن (نعود)، فنحن في منتصف (المضمار) ونعلم يقيناً أن الأمم متقدمة علينا، وبدلاً من أن نحاول اللحاق بالمتقدمين، فإننا نكاد أن نتفق على أن اللحاق بهم يستوجب أن نعود من بداية المضمار، قلتُ (نكاد) فلو اتفقنا -لا سمح الله!- فإن ذلك سيكون من خوارم العروبة!، وبالفعل عاد (بعضنا) لكن نسوا أن الآخرين لن يعودوا، لهذا أصبح حلم المنافسة بين العربي الذي يرى أن الرجوع هو الحل، وبين الذي أصر على أن يواصل الركض حتى لو كان في الطريق الخاطئ، وفي هذه المعمعة والضجيج نسوا الهدف الذي كانوا يركضون لأجله، العدو الذي كان ينافسهم ذهب بعيداً حتى نسوا أمره، ولأنه لا بد من وجود عدو (لو لم نجده عليها لاخترعناه)، لكن العدو الحقيقي وصل، بل إنه (يُقال) حط رجله اليسرى على القمر منذ زمن، والآن يخطو بثقة نحو المريخ، لهذا (لم تعدمنا الحيلة) وبما أننا طائفتان، طائفة متجهة نحو (الوراء)، وطائفة مبتهجة أنها تسير في الاتجاه الذي تعتبره (الأمام)، وكل طائفة ألبست الأُخرى صفات العدو الذي لم يعد يشغل بنفسه بالالتفات للمتأخر الذي كان عدواً في يوم من الأيام، والطائفتان العربيتان انقسمت كل طائفة لقسمين، فالتي عادت للبداية بصفتها (البداية/ الماضي) هي الحل انقسمت هي الأخرى لقسمين، قسم يرى ضرورة تقوية كيان (العودة) وقسم يرى ضرورة إعادة الطائفة التي أبت الرجوع إلى دائرة الحق والصواب، احتدم النقاش ووصل لهوّة الخلاف حتى شككت كل طائفة بنوايا ومبادئ وعقيدة الطائفة الأخرى، وحدثت معركة ما زالت قائمة بين الطرفين، وكل طائفة تردد (الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) وتقتل الأخرى، الأمر ذاته يجري في الفئة التي رفضت العودة من منتصف المضمار، فقسم يرى المواصلة في الركض لعل الوصول قريب، وقسم يرى ضرورة العودة لتأديب (الرجعيين) وحملهم قسراً لدروب التقدم والنور.. الذي لم يصلا إليه!، وكالعادة يعلو أيضاً صوت التكبير وكل فئة تتقرب إلى الله بدماء العدو!
الحالة السعودية ليست ببعيد عمّا يحدث، إن لم تكن في قلب الحدث، ففي الأسابيع الماضية تكشفت الكثير من الأمثلة على التفكير، بل والتأمل العميق بالماضي على المستويين الشعبي والرسمي، فعلى المستوى الرسمي انشغلت الكثير من الدوائر المهتمة بالبطالة بمناقشة أشياء تعتبر من الماضي السحيق، فالمعروف أن البطالة تنتشر بين الشباب، الفئة الأكثر في المجتمع السعودي، لكن النقاش نحى مبدأ (العودة لأول المضمار) حيث انصب على مناقشة سن التقاعد هل المناسب (60) أم أكثر، وعلى طريقة معاملة من تعدى سن الستين بالتأمينات الاجتماعية، أي أننا نناقش قضية البطالة لجيل لم يكن يعاني منها!
أما على المستوى الشعبي فقد شنّ (أكاديمي وداعية معروف) حملة (لعن) على يزيد بن معاوية سائلاً الله أن يجعل لعنه سنّة تأخذها الأخلاف عن الأسلاف، لتثور حرب بين مدافعين عن الداعية ومدافعين عمن مات قبل مئات السنين!
وفي النهاية (أعود) وأدعوكم (للرجوع) لبداية المقال لاكتشاف جماليات حرف الروي بالقصيدة العربية ولن تندموا، لأنكم (مثلي) لن تستطيعوا صنع (الماضي)، لكنه فرصة جميلة للانشغال ولو قليلاً عن خيبة المستقبل!