كل شي، في حواشي ذلك الفصل من الكوميديا السوداء، الذي حمل عنوان «انتخابات» رئاسية في سوريا؛ يثير السخرية والحزن في آن، ويتوجب على كل من يكتب ويحترم عقله، ألا يترك كلمة انتخابات تمر تلقائية وإنما يضعها بين أقواس تنصيص، حين يتصل الأمر بمهزلة هؤلاء الطغاة، الذين يحمون كرسي بشار الأسد عسكرياً وسياسياً، ضد أمنيات شعب مظلوم.
موضوع «انتخابات» سوريا، في حد ذاته، لا حيثيات فيه تصلح للنقاس. فمن العبث مناقشة الطرائف المريرة. إن ما يصلح للنقاش بالنسبة لبشار الأسد، هو لماذا لم تتم إحالته حتى الآن إلى المحكمة الجنائية الدولية. أما مهزلة اللاعبين الذين يحمونه، عندما هبّوا، لإعانته على أداء دوره، من خلال التجديد له، كرئيس للجمهورية التي يريدونها؛ فإن هذه هي نقطة النقاش المهمة. وبالطبع لم يكن استرضاء الشعب السوري، أو تفعيل إرادته، في ذهن هؤلاء، لأنهم يعرفون تماماً أن الإرادة الشعبية السورية ليست غائبة وحسب، وإنما مدماة وأوقاتها مشحونة بالأحزان والديناميت الذي يلقى عليها ببراميل يومية، وأن أكثر من نصف الكتلة الانتخابية، إما مُهجّر في أربع جهات الأرض، أو مهجّر في سوريا نفسها، أو يقع خارج سيطرة المليشيات الشيعية المتطرفة ومعها النظام. البقية الباقية من الكتلة الانتخابية، التي اقتضى الكرنفال تصويرها في مراكز دمشقية، أو إظهار أنها جماهير غفيرة من الناخبين من خلال ضخ وتحشيد الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب ذي العمامة السوداء في لبنان، فإن هذه (البقية الشعبية) ملقاة كلها في صندوق الأسد، وبالتالي فإن ورقتها من تحصيل الحاصل، لأن من لا يُظهر براءة ذمته من «جريمة» الاستنكاف، بأختام المركز «الانتخابي» يفقد وظيفته وجواز سفره، قبل أن تبدأ إجراءات الاقتصاص منه.
الإيرانيون يريدون اللعب بالورقة السورية في سياقهم التفاوضي مع الأمريكيين. وجاء اختراع «داعش» وسواها بلعبة استخبارية إيرانية معقدة، لكي تطرح طهران نفسها، ومعها المالكي في بغداد ونظام الأسد، محاربين أشداء ضد «الإرهاب السُني». ومن المفارقات، أن الحاكم في بغداد، وهو عنصر الربط في الوسط، بين الإيرانيين وتابعهم في دمشق من جهة، والأمريكيين من جهة أخرى، هو الذي يعمل على تكريس فكرة أن مقاومة الأمريكيين للمشروع الإيراني في سوريا، معناها أن واشنطن تحبط المساعي والجهود الحميدة للقضاء على الإرهاب. من هنا جاء استنكاف الرئيس أوباما حتى عن تأييد تسليح الجيش السوري الحر، بما يعينه على حماية شعبه من الطيران الذي يُلقي البراميل المتفجرة على الناس. لقد بات دُهاة الأصوليين الإيرانيين وأتباعهم في بغداد، يتحدثون عن «مكافحة الإرهاب» وهم يستخدمون هذه العبارة باعتبارها الاسم المشفّر، لإرهاب المتطرفين السنة دون سواهم، وبهذه العبارة خاض نوري المالكي حملته الانتخابية الأخيرة!
ما كان يريده الإيرانيون والروس من ذلك الفصل الهزلي الذي سموه «انتخابات رئاسية» هو طرح معادلة أمام الولايات المتحدة والغرب، للاختيار بين السيئ الذي يمكن احتماله، والأسوأ الشرير الذي لا يُحتمل. يريدون القول إن نظام بشار الأسد، علماني، ويخطو في اتجاه الديموقراطية، ويستمع إلى الرأي الآخر، ويتساوق مع الحياة المعاصرة، وأنه يكافح الإرهاب، مقابل قوى التخلف والهمجية والمفخخات. ويريدون الإيحاء أن بدائل هذا النظام، كلها، شريرة وخطيرة. فالأمريكيون والغرب هم المقصودون بتلك المسرحية التي ارتبك مخرجها وتلعثم فانكشفت ثغرات أرقامه.
في هذا المسعى الإيراني الروسي، يتناسى هؤلاء أن الأمريكيين مثل غيرهم، يعرفون طبيعة النظام السوري، الذي يقتات على الجريمة ولا عهد له ولا أمان، ولا يتورع عن اقتراف أية فظائع، ومعروف بأنه يكذب في كل شيء دون أن يرف له جفن.
الإيرانيون، في مسعاهم إلى تسوية مع واشنطن على حساب دم الشعب السوري ومصيره وحياته، قدموا للأمريكيين، كأعطية ثمينة، نتائج انتخابات العراق، التي بذلوا فيها المال والجهد والشروحات الدينية والوعود، وتلقى الأمريكيون الأعطية بامتنان، وأشادوا وهنؤوا على تجديد الشرعية المزيفة للرمز السياسي لـ»حزب الدعوة» الشيعي الأصولي المتطرف. وكان أسهل على الإيرانيين تمرير المهزلة العراقية المرة تلو الأخرى، دون أن تنكشف طبيعة تعاونهم في إدارة العراق، مع الأوساط الأكثر تشدداً في «الكونغرس» وفي وزارة الدفاع الأمريكية. لكن الموضوع السوري، وتعويم الأسد بـ»انتخابات» لن يكون سهلاً. فالأمر مثير للسخرية فعلاً، إذ كيف هبطت الهداية الديموقراطية، في خضم الحرب المريرة، على نظام لا يطيق سماع كلمة نقد؟ وكيف تورمت «الممانعة» وفكرة المقاومة، بألسنة جهات الحماية، التي تركت النظام المستبد الفاشل الراضخ، ما يزيد عن الأربعين سنة، لا يقوى على خرق الهدنة مع المحتلين برصاصة واحدة؟!

