في يناير، صادق المجلس التأسيسي الوطني في تونس على دستور ديمقراطي جديد. قبل عدة أشهر، وافقت الحكومة السابقة التي كان يقودها حزب النهضة الإسلامي على الاستقالة ونقل السلطة إلى رئيس وزراء جديد وحكومة انتقالية جديدة وعلى الدخول في حوار وطني جديد. أخيرا، وافقت الحكومة على قانون انتخابي جديد وهي تعد للانتخابات في نوفمبر. ومع أن الوضع على الأرض ليس مثاليا، إلا أن الحكومات التونسية التي جاءت بعد الإطاحة بالرئيس بن علي بذلت جهودا مشكورة لبناء الديمقراطية. لكن انتفاضة تونس عام 2011 كانت تتعلق بفرص العمل والنمو الاقتصادي بقدر ما كانت متعلقة بالتمثيل السياسي. ومع ذلك، رغم مرور ثلاث سنوات، لم تحقق الحكومات إلا تقدما بطيئا على الجبهة الاقتصادية.
التحديات التي يواجهها قادة تونس ليست بنفس سوء المشكلات التي تواجهها دول المنطقة الأخرى. ملكية الدولة للاقتصاد، على سبيل المثال، أقل بكثير في تونس منها في دول أخرى. ومع ذلك فإن إرث الاشتراكية العربية لا يزال موجودا حتى الآن. لكن البطالة هي إحدى المشكلات الرئيسية التي تونس، حيث تبلغ نسبة البطالة الرسمية 17%. والوضع أسوأ ما يكون بين خريجي الجامعات، حيث إن نسبة العاطلين بينهم 30%.الإضرابات العمالية لا تزال تشل الاقتصاد التونسي الهش وتسهم في الإساءة لصورة الاقتصاد التونسي بحيث تردع المستثمرين الأجانب. تونس شهدت 399 إضرابا عن العمل في 2013 في قطاعات متعددة. عدد من هذه الإضرابات شهدت أحداث عنف، وكانت تهدف للضغط على الشركات التي تملكها الدولة على توظيف عدد أكبر من الناس.
بضغوط من الدائنين الدوليين لإجراء إصلاحات مالية، أقرت ميزانية 2014 زيادة في الضرائب، مما أدى إلى مظاهرات غاضبة وإغلاق للطرقات، مما أجبر الحكومة على تجميد زيادة ضريبة المواصلات.
بالنسبة للتونسيين الفقراء، التضخم مشكلة جدية. مع أن معدل التضخم الرسمي هو 6%، إلا أن التونسيين الفقراء يشككون بذلك الرقم ويشعرون أن الأسعار ترتفع بسرعة أكبر. علاوة على ذلك، فإن انخفاض قيمة الدينار التونسي يسهم في ارتفاع أسعار المواد المستوردة.
تونس بحاجة لإصلاحات اقتصادية واسعة تتجاوز وقف دعم المواد وتحرير الأسعار وسياسة نقدية أكثر حكمة. كما تحتاج إلى بيئة أفضل للاستثمار والمشاريع التجارية، خاصة للشركات الصغيرة. بحسب البنك الدولي، أصبحت إقامة مشروع جديد أصعب من قبل. الحصول على تصريح بناء بسيط يتطلب 94 يوما ويكلف 256% من متوسط الدخل السنوي في البلد.
بعد المصادقة على الدستور الجديد للبلاد، وفي مواجهة الضغوط من المستثمرين الأجانب، تستطيع الحكومة التونسية أن تتحرك باتجاه إطلاق واستغلال إمكانات البلد في إقامة المشاريع الاقتصادية الصغيرة إلى متوسطة الحجم. في نهاية المطاف، إن تبني الدستور الجديد الذي تم في 26 يناير الماضي مكن البلد بالفعل من الحصول على قروض من جهات دولية متعددة، حيث وافق صندوق النقد الدولي على منح تونس قرضا بقيمة 506 مليون دولار فيما أقر الاتحاد الأوروبي قرضا لتونس بلغ أكثر من 347 مليون دولار. هذه القروض المالية التي تشكل تعزيزا للسيولة في تونس لا تعني الكثير لوحدها، لكن هناك أملا كبيرا بأن يتبعها تدفق أكبر من الاستثمارات من رأس المال الخاص إذا اتبعت الحكومة التونسية منهجا يتبنى إصلاحات اقتصادية جريئة ومقنعة.
رئيس الوزراء التونسي الجديد، السيد مهدي جمعة، يواجه تحديات خطيرة ومعقدة. السيد مهدي جمعة لا يزال شابا نسبيا ويتمتع بخبرة جيدة في تعامل مع القطاع الخاص، وقد أشار في أول خطاب له كرئيس وزراء أمام المجلس التأسيسي الوطني إلى أن هناك حاجة ماسة للإصلاحات الهيكلية. وقال السيد مهدي جمعة أن فرص العمل الجديدة في القطاع العام وزيادة الإنفاق العام خلال السنوات الثلاث الماضية زادت من سوء الوضع المالي للبلد في الوقت الذي لم تحقق الكثير في مجال رفع معدل الإنتاج أو تحسين مستوى المعيشة للشعب التونسي. وأكد رئيس الوزراء التونسي الجديد أنه قد آن الأوان كي يوقف التونسيون «النزيف المالي»، وأن يبتعدوا تماما عن الصراعات الاجتماعية، وأن يذهبوا إلى العمل. بالفعل، ليس هناك طريقة أفضل لتكريم ذكرى موت محمد بوعزيزي من أن ينجح رئيس الوزراء الشاب الجديد، الذي لم يلوثه الماضي الاستبدادي للبلد، في خلق فرص عمل جديدة للتونسيين وفي مساعدة الشباب التونسي على إقامة مشاريع جديدة خاصة بهم.

