لا أعرف كم عدد الذين يقرؤون ما أكتب، لكن الذي أعرفه أن بعضهم قراء منتجون، فهم يتواصلون معي ناقدين، ومقترحين، ومعبرين عن وعي عميق، ومن هؤلاء الأخ الكريم سعد البشري، من منطقة عسير، فهو لا يكاد يمر أسبوع إلا ويكرمني باقتراح أو أكثر، ومعظم ما يقترحه هادف، وهمه الوطن وخدمة المجتمع، ومنذ يومين حدثني عن ظاهرة بدأت تتفشى في بلادنا، ويرى أنها لا تنسجم مع وحدتنا الوطنية، ولا تصب في مصلحة تكريس الوحدة الوطنية، وصرف الولاء للوطن، هذه الظاهرة تتمثل في قيام بعض القبائل بتنظيم حفلات باذخة احتفاء بأبناء القبيلة الخريجين من كليات عسكرية أو مدنية، وما يصاحب هذه الاحتفالات من تفاخر بالأنساب وأعراق القبائل وتواريخها البائدة، وفي ذلك ما فيه من تكريس للعصبية القبلية، وتربية النشء على هذه العصبية التي تجعل من القبيلة مظلة أهم من المظلة الوطنية.
لقد سبق أن كتبت عن حفلات سنوية مماثلة تقيمها بعض القبائل تحت شعارات مختلفة، ومهما كانت بريئة فإنها في النهاية لا تخدم وحدة الوطن وتلاحم أبنائه، فهي تكرس الروح الجاهلية في التعصب والتفاخر والولاء، وهناك قنوات (عامية) تذكي وتغذي هذه الروح، وشعراء (عاميون) تفعل قصائدهم فعلها في التفاخر واستدعاء عداوات وبطولات التاريخ التي لم يعد لها مكان من الإعراب. ولا شك أن مجتمعنا ما زال مجتمعا قبائليا وعشائريا، وفي السنوات الأخيرة نشأت نغمات طائفية وفئوية عنصرية ذات أثر سلبي بالغ على وحدة الوطن ومسيرته التنموية، والأمر كما أرى يتطلب وقفة حازمة من قبل الدولة لإيقاف هذا المد القبلي والطائفي في كافة صوره، سواء كانت احتفالات أو ممارسات لفظية أو فعلية، فالدولة قامت على وحدة الدين واللغة والجغرافيا، و(إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ولا بد من إضافة قانون أو قوانين لتجريم الطائفية والعنصرية والقبلية. وإذا كان الله، جل وعلا، سيحاسب عباده على التقوى يوم يلقونه في الدار الآخرة، فلتكن الكفاءة هي معيار الوطن للمفاضلة بين مواطنيه في الدنيا، ولنكرس عبر القوانين والأنظمة والمعايير قاعدة (إن أفضلكم للوطن أكفؤكم).

[email protected]