لم يجد ذلك الشاعر بداً من أن يقول حين رأى أو تخيل تلك الفتاة وهي متجهة إلى بيت جارهم:
طالعه من بيت أبوها
رايحه لبيت الجيران
على اعتبار الجيران في تلكم الحقبة بيوتا ثانية لكل منهم إن لم تكن ملجأ ومأوى في حالة حدوث أي ظرف طارئ. هذا عدا أمور أخرى كتبادل الزيارات والمشاركة في الأفراح والأتراح فضلا عن تربية الأبناء وتبادل الأطعمة والمأكولات والتعاون في إنجاز مختلف الأعمال، كالفلاحة والاحتطاب وأعمال البناء والخياطة والتنظيف وما شابه ذلك، وهو الصنيع الذي اندثر في واقعنا اليوم إلى الحد الذي أصبح فيه الجار
لا يعرف عن جاره شيئا ولربما لا يعلم إذا ما توفي أحد من أسرته. في الوقت الذي أكد فيه ديننا الإسلامي الحنيف على مدى أهمية الصلة والتواصل بالجار كما في قوله تعالى: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل». وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ولكم أن تتصوروا في السياق نفسه بأنه ومن ضمن اهتمامات وحرص الجيران في ذلك الزمن الجميل أنه في حالة غياب رب الأسرة فإن جاره سوف يقوم بتوفير ما تحتاج إليه أسرته، يضع ما أحضره بجوار الباب ويطرقه حتى إذا ما جاء أحد من الأسرة وغالبا ما تكون الزوجة لكي تستلم هذه الاحتياجات، دار هذا الجار ظهرا وغادر المكان دون النظر زيادة في العفة والاحترام وحمايةً وصوناً لعرض جاره وكأنه يقول كما قال الشاعر:
أنتِ أختي وأنتِ حُرمةُ جاري
وحقيقٌ عليّ حفظُ الجوارٍ
إن للجار إن تغيب غيباً
حافظاً للمغيب والأسرار
ما أُبالي أكان للباب سترمسبلٌ
أم بقي بغير ستارِ
هكذا كان الاهتمام بالجار إلى درجة أن كثيراً من الناس في ذلك الزمن يعتبرون التهاون في القيام بواجب الجار أو حمايته أو دفع الأذى عنه أو تفقد أحواله عار إلى الأبد.
من جهة أخرى وردا على من قال بأن واقع الجيران اليوم اختلف عما كان عليه في الماضي، من حيث تنوع الثقافة وعدم وجود انسجام تام فيما بين هؤلاء الجيران نظراً لانحدارهم من مناطق مختلفة ومتباينة في عاداتها وتقاليدها أو من دول أخرى نقول لهم: بأن نظرتكم هذه خاطئة تماماً بدليل أن هناك أسرا ومن مناطق متفرقة من هذه البلاد، بل ومن دول شقيقة جاءت لغرض العمل لا سيما في التعليم، وهي لا تزال ذات صلة بجيرانها، وهناك من تصاهروا بسبب هذه العلاقة الحميمة، وديننا الإسلامي الحنيف أكد على الاهتمام بهذه العلاقة حتى لو كانت مع غير المسلمين كما بينته الآية الكريمة الآنفة الذكر والمتضمنة «الجار الجنب» والتي فسرها القرطبي رحمه الله على أنها تعني الجار الغريب، ووافقه على ذلك شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني والذي أضاف إليه أيضاً الكافر والأجنبي والعابد والفاسق.
وذلك لأجل أن يكون في هذه العلاقة نوع من تحقيق أوجه الخير والإحسان والفرص الممكنة لعرض الإسلام عليهم، كما حدث مع الرسول صلى الله عليه وسلم حين قام بزيارة جاره اليهودي لمجرد أنه لم ير الأوساخ والقاذورات التي اعتاد هذا اليهودي رميها يومياً أمام بيته صلى الله عليه وسلم.
فصلة الجيران مهمة للغاية ولقد قسم علماء الأمة الجيران إلى ثلاثة أقسام: جار له ثلاثة حقوق وهو الجار المسلم ذو الرحم فله حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم، وجار له حقان وهو الجار المسلم. له حق الجوار وحق الإسلام، وأما الجار الذي له حق واحد فهو الجار غير المسلم وذلك بالإحسان إليه من مبدأ حقه الإنساني في الجوار ثم بإحاطته بعظمة الإسلام ودعوته للخير والفضيلة والتسامح لعل هذا يساهم في ترقيق قلبه فيعتنق الإسلام.
في إحدى السنين الماضية أصيب أحد الجيران بمرض مفاجئ في القلب ولكونه ليس لديه أبناء بمنطقته لينقله إلى أقرب مستشفى لإسعافه، وفي نفس الوقت لم يكن السائق الخاص به قريبا من سكنه فقد اضطرت زوجته لأن تطرق الباب على أحد جيرانهم الساكنين داخل نفس العمارة، فما كان من ذلك الجار الشهم إلا التوجه إلى سيارته والقيام بأسرع ما يمكن بحمل ذلك المريض والتوجه به إلى مستشفى قريب، وما هي إلا ساعات معدودات ويتجاوز هذا المريض خطر ذلك المرض المفاجئ، وهذا بعكس ذلكم الجار الذي توفي في شقته من جراء هبوط حاد في نسبة السكر لديه ولم يعلم أحد من جيرانه عنه شيئا إلا من خلال انبثاق رائحة الجثة من شقته. علماً بأنهم أي الجيران يعلمون تماماً بأن هذا الرجل مُصاب بالسكر وهو مقيم لوحده. فأمر الصلة بالجار عظيم، ولذلك نبه الإسلام إلى ضرورة الاهتمام به والحرص الدائم عليه، فلقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: أتدرون ما حق الجار؟ إن استعان بك أعنته، وإن استنصرك نصرته، وإن استقرضك أقرضته، وإن مرض عدته، وإن مات شيعت جنازته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهده منها، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها. وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره. رواه مسلم.
الجيران بين الزمن الجميل والواقع المر
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
