في خضم الأحداث الكثيرة التي انتابت مجتمعنا العربي وتحديداً بعد الحادي عشر من سبتمبر أضحى المشهد الفكري العربي يتفاعل مع المتغيرات والمستجدات تبعاً لموجات الصخب الفكرية التي تجتاح الأمم والمجتمعات، هذا التفاعل انسجم مع المتغيرات العالمية وأصبح الواقع العربي يستجيب لكل مشاهد الكر والفر الفكرية والثقافية التي تجوب العالم، وما أن تنيخ ركائب هذه الأفكار رحالها في مجتمعنا العربي- كجزء من هذه القرية الكونية - حتى يقتاتها المجتمع حراكا فكريا متصارعا بين مد القبول وجزر الرفض.
ولعل الليبرالية في هذه الأيام تعد الفكرة الخلاقة التي وجدت رواجا كبيرا في أوساطنا الثقافية والمجتمعية ليس بسبب الإيمان الخالص بها بل لكونها فكرة تضاد في مفاهيمها روح الفكر السائد في المجتمع، إضافة إلى بروزها عدواً أول لنخب وعوام ما زال سائدا من أفكار ومفاهيم.
إن الليبرالية كمذهب فكري ساد في العالم الغربي وما زال يسود تظل وسيلة الخلاص التي تُسوق في العالم المتخلف لتكون منبعا لكل أوجه التغيير التي ستسود المجتمعات الأقل تقدماً، ولعل الحرية - وهي أكثر معاني الليبرالية إن لم تكن موضوعها الأساس- هي من جعل لهذه الفكرة صدى يفوق كثيراً من المذاهب المعاصرة في عالم اليوم وهذا ما جعل كثيراً من العوام ينصرف إلى هذه النقطة ويراها وسيلة الخلاص من كثير من المفاهيم والرؤى.
لست هنا بصدد الحديث عن الليبرالية كمنهج وسلوك بل أحاول أن أميط اللثام عن شيء آخر وهو سلوك كثير من النخب والعوام في مجتمعنا العربي ممن يمثل الليبرالية فكراً ومفهوماً وممارسة كلية أو جزئية، فهؤلاء يرفعون كثيرا من شعارات الحرية والرأي والرأي الآخر، يمارسون سلطة نقدية حادة من خلال وسائلهم المتاحة، من هنا نشأت في واقعنا العربي ليبرالية بمواصفات عربية اُضفي عليها طابع من الخصوصية الخاصة جداً جداً، فالخصوصية لم تعد حكراً على الإسلاميين كما يرددون ويقال، فالليبراليون لهم خصوصية أخرى تراعى الزمان والمكان وقبل ذلك الاحتياج الشخصي لنخبها التي تشكل بفعلها ونفوذها مفاهيم هذا التيار ونشاطاته، وهذا أفرز لنا وللفكرة قبل ذلك يمينا ووسطا ويسارا كلهم ينهلون من الليبرالية ذات الخصوصية العربية، فزبائن الإنترنت من الذين حسبوا أنفسهم على هذا التيار هم خير من يمثل اليمين المتطرف.
النخب في أبراجها العاجية تمثل الوسطية الزائفة بكل شواهدها المغلوطة عند البعض، أما اليسار فأظنهم هم الذين يحاولون استنساخ المفاهيم الغربية بكل شواهدها ولصقها في واقعنا العربي المعاصر دون مراعاة للخصوصية المقابلة والمتأصلة في المجتمع عبر التاريخ.
الليبرالية -عند العوام من دعاتها- شهوة وكأس وامرأة ذلك أقصى ما ينشدونه من الحرية التي تبيح لهم ذلك وتشرعنه، أما في المعتقد فيظلون موحدين مؤمنين بل ومنهم من يحافظ على الصلاة والزكاة وكثير من الشعائر التعبدية، وعند وصمهم بالخروج عن المسار الصحيح للإسلام وتعاليمه تكون ردة فعلهم قاسية ومتطرفة وخارجة عن نصوص الحوار العقلاني والخلاق، وهنا يجدون أنفسهم مضطرين للارتماء في أحضان غلاة الليبرالية ودعاتها المتنفذين، ويكونون مجرد أقلام أو خفافيش انترنت تأتمر بأمر لاهوتهم الخفي في برجه العاجي.
نخلص من هذا إلى أن الليبرالية في مجتمعنا العربي هي عند النخب المعدودة نقل وتأصيل لليبرالية الغربية أما عند دهمائنا من العامة وأنصاف المتعلمين فالليبرالية تبقى لديهم نقلاً بتصرف لبعض صور الحرية الغربية، دافعها الأساسي شهوة كامنة في النفس تخفيها الدعاوى المتكررة بالحرية والانعتاق من كل المفاهيم السائدة في المجتمع المؤصلة عرفاً وديناً.
ليبراليتنا العربية تأصيل لأصل أم نقل بتصرف؟
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
