أقول ذلك (العنوان) اتفاقاً على أنّنا من أكثر الدول (طلاقاً)!، وذلك على النحو الذي يكشف أسباباً قبْليّة، هي أدعى بالمعالجةِ من الأسباب البعديّة.
وليس بخافٍ، أنّ التضييق في «النظر للمخطوبة» قد يأتي في مقدّم تلك الأسباب القبليّة، التي من شأنها أن أسهمت باجتراحِ «الطلاق» بحيثُ سهّلت أمره لشابٍ، الشّكلُ (هيئة الزوجة وصورتها) يأتي أولاً، في جردة حساباته مع امرأةٍ، بالكاد قد تعرّف إليه جيدا ليلة البارحة!. وهو في حلّ من أمره لما أن يتساءل: لست أدري هل من دخلت بها هي تلك التي رأيت بعضاً منها ولماماً لما أن جئتهم خاطباً؟!
على أيّ حال.. فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أدرك هذا قبلاً في سبيل أن يتجاوز هذا البيت الجديد عجلةَ تقويض بنيانه، إذ وكّد -بأبي هو أمي- على مسألة النظر بلفظٍ مطلقٍ من غير تقييدٍ، ما يسعه أن يستوعب كل ما في لفظة «النظر» من المعاني المتعلقة بالموضع المنظور إليه وزمنيّة النظر من حيث المدة مكثا وتأملاً، والتي من شأنها أن تكون أوفق لدال التعبير النبوي: (أحرى بأن يؤدم) بين الزوجين الجديدين. فيما يستقبلان من أيام حياتهما.
وإنّ من يقرأ ما جاء في أحاديث هذا الباب مستمسكاً بعرى التدين الشرعي، ومنفكّا -ما استطاع- من التلبّس بأدواء التدين الوضعي (التقاليدي)، أدرك عن كثب فقهيٍّ: أن النظر للمخطوبة -وفق الأحاديث- لم يأتِ في مساق محض رخصة يُتساهل في أمرها أن تؤتى امتثالاً أو تترك بوصفها رخصةً ليس غير، وإنما هو نظرٌ يدفع -بأمرٍ نبويٍّ- باتجاه التوكيد ترغيباً وحضّاً، ولئن حال أحدٌ دون تحقّقه بأي دعوىً، فإنّه ولا ريب يكون من جملةِ الذين يخالفون عن أمره.
الأمر إذن ليس موكلاً لعاداتنا، وإنما هو إلى أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال كما في صحيح مسلم: «.. فاذهب فانظر إليها، فإنّ في أعين الأنصار شيئاً» وفيما صحّ من روايةٍ أخرى عند الترمذي وسواه قوله: «فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما».
إلى ذلك كان الإجماع في شأن جواز النظر والترغيب فيه، في حين كان الاختلاف في أمر ما يجوز النظر إليه والكيفيّة التي عليها النظر، وهو مما يعرفه الناس قاطبةً، إذ ليس ثمة من جديد في هذه المسألة، إذا ما استثنينا جديداً تكون الإيماءة إليه بهذه المجملات:
يسع الخاطب أن ينظر إلى كلِّ ما يدعوه إلى نكاح مخطوبته حتى لو احتال بالاختباء لها بقصد النظر كما فعل جابرٌ بنُ عبدِالله رضي الله عنهما حيث روى عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنه قال: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ المَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ»، فقال: «فخطبتُ جاريةً فكنتُ أتخبَّأُ لها، حتى رأيتُ ما يدعوني إلى نكاحها وتزوُّجها، فتزوَّجْتُهَا»
الأوزاعي: أباح النظر إلى جميع مواضع اللحم من جسمها.
داود الظاهري: يجيز النظر إلى جميع جسمها بينما ابن حزم لا يستثني حتى عورتها!
وعنْ أَحْمَد ثَلَاث رِوَايَات: إِحْدَاهُنَّ: يَنْظُر إِلَى وَجْههَا وَيَدَيْهَا، وَالثَّانِيَة: يَنْظُر مَا يَظْهَر غَالِبًا كَالرَّقَبَةِ وَالسَّاقَيْنِ وَنَحْوهمَا. وَالثَّالِثَة: يَنْظُر إِلَيْهَا كُلّهَا، عَوْرَة وَغَيْرهَا، فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَنْظُر إِلَيْهَا مُتَجَرِّدَة.
ولسنا نبغي غير الاعتدال توسطا من بين هذه الأقوال.