تُركت بعض النصوص الروائية في مفترقات عصارة الفكر، ولم تحظ بشرف تذييلها وبصمات أصحابها، وصنفت في المشهد الأدبي، على الأرجح، كأحد أبرز معالم «المنقوصات الأدبية»، وعلى الرغم من ذلك إلا أنها تحوز اهتمام القراء الذين يحرصون على اقتناء نسخهم الخاصة منها.

التحايل لإخفاء الأدلة

يقول أستاذ الأدب القديم والمحاضر في اللغات والإعلام بالجامعات الفلسطينية، الدكتور علي الجريري إن الرواية غير المكتملة تعد أحد أبرز أشكال الاستفزاز التأملي وإثارة الفضول لمعرفة النهايات، لتترك المتلقي يصيغ في ذاكرته وتخيلاته النهايات التي يريدها أو يميل إليها.
واعتبر الجريري عدم إتمام الكاتب لروايته تحايلا لإخفاء الأدلة، لتشكل ما يسمى في المشهد الشعبي «بالحرقصة»، التي تترك للكاتب منافذ استكمال الرواية بثانية وثالثة على طريقة الثلاثيات أو المسلسلات.
وأبان الجريري أنه من النادر أن يرحل كاتب دون أن يترك خلفه عشرات المشاريع الكتابية غير المكتملة، أو حتى تلك التي خضعت لطور معين من طقوس الكتابة، فهو هنا يرحل مع رحلته الأخيرة وتبقى فوق أدراج مكتبه في انتظار من يكملها ويحفظها أو يعيد نشرها.

أسلوب أدبي حديث

وحول الظروف النفسية أو العوامل البيئية، التي قد ترغم الكاتب على إحزان متابعيه بتوقفه عن إتمام أحد أعماله، يعتقد الجريري أن الكاتب ربما عجز عن جذب جمهوره عن طريق الفرح والإمتاع والتشويق الإيجابي، مما يدفعه إلى الاستغراق في مشاهد الإيذاء والحزن واستجداء الشفقة على المظلومين المفترضين.
غير أن قيمة هذا النوع من الروايات، في نظر الجريري، تكمن في كونها متماثلة وبضعة أبيات لقصيدة غير مكتملة غالبا ما تكون جميلة ومؤثرة، وأحيانا لا أثر لها بحسب بداياتها ومستوياتها الإبداعية، شأنها في ذلك شأن المخطوطات المهمة وغير المهمة، التي لم تكتمل لظرف أو لآخر، لكنه أكد أن الرواية المكتملة تعد عملا كاملا وليست فيه لغة من ينتظر، حيث يحكم عليها المتلقون وحدهم، باعتبارهم هم الذين يتعاطون النص ويتوقونه ويحكمون عليه، كل بفهمه ومستوى معرفته وإدراكه لأدوات الكتابة وفنونها.
ويؤيد الجريري وجود جماعات «المكملين» الذين يقومون بإتمام الأعمال غير المكتملة، معتبرا إكمال النص الناقص أسلوبا أدبيا حديثا لا يقلل من شأن أحد، بقدر ما ينقذ عملا أو نصا جديرا بالاحترام، ويحتاج إلى أمانة خاصة تنسب إلى ما كتب لصاحبه، بينما يشار إلى المكملين بما أكملوا.

الاحتفاء بالمتن ومكوناته

في المقابل ترى الأديبة والكاتبة بثينة إدريس أن اكتمال الرواية أو نقصها لا يغير من قيمتها، تقول: كل رواية لها احتفال خاص بها، فقد نحتفي برواية لم يتمها كاتبها، كونها استطاعت بنهايتها المفتوحة أن تجتذب منا كل معايير الإعجاب والحفاوة، بينما أخرى حائزة على الكمال البنائي تبقى أقل حظا من سابقتها لدى القراء، لافتة إلى أن الاحتفاء الحقيقي يكون بمتن العمل ومكوناته الأدبية والمعنوية، لا ناصيته ولا حتى خاتمته.
وأرجعت إدريس تهافت القراء على بعض النصوص الروائية غير المكتملة إلى أنها تترك مجالا خصبا للاستمتاع بالقراءة، مما يمنح القارئ فرصة الاشتراك في صنعها وكتابتها واختيار النهاية التي تناسبه، مؤكدة أن هناك أسبابا كثيرة خلف توقف بعض الكتاب عن إتمام رواياتهم، نافية أن يكون هذا التوقف ناجما عن غاية متعمدة منهم، وأوضحت «لكل كاتب أسبابه، منها الخاص الذي قد يعجز عن معرفته القراء، والعام المتداول بين الجميع، كافتقاده للمناخ الذي يسهل له مهمة الكتابة».
ولفتت إدريس إلى أن بعض الكتابات تتطلب نظرة بعيدة وثاقبة، ربما لا تتوفر في الكاتب قصير النفس من أن يخوض في ردهات ودهاليز الرواية، الذي بات فقير الأحداث والمواقف، ولم يعد يملك ما يكمل به روايته.

استئذان الورثة

من جهته، يفضل رئيس تحرير صحيفة جازان نيوز، محمد الحازمي أن لا يكمل الأعمال الناقصة أحد بل تبقى تراثا أدبيا لصاحبها، فهي ليست فيلما سينمائيا أو مسلسلا توفي أحد ممثليه، أو اعتذر عن إتمامه لأي سبب كان، حتى يسند الدور لبديل.
وأضاف الحازمي أنه من غير الممكن أن يصل روائي أو قاص متمكن لأصالة وجودة تضاهي رواية لم يتمها كاتبها، معتقدا أن تعمد أحد الكتاب إكمال قصة أو رواية لم يكملها صاحبها، إما لصلته الوطيدة بالكاتب وعلمه بأنه لم ينهها لموته أو مرضه، أو أنه قرأها دون سابق معرفة شخصية بالكاتب أو ذويه، كأن يكون مقيما بمكان آخر أو أنها بلغة أجنبية ويريد أن ينقلها للغته الأم، فيحاول أن يسجل تصوره لنهاية ما يريدها هو، لا كما كان يريدها صاحبها، معتبرا هذا التصرف، سواء تمت الإشارة لدور النشر أو لا، مخالفا لحقوق الملكية الفكرية ما لم يستأذن ورثته.