بعد نحو 3 سنوات من انفصال جنوب السودان عن دولة السودان، بدأت الأصوات تتعالى مطالبة بنظام فيدرالي للحكم في دولة الجنوب، التي يحكمها دستور انتقالي يتحدث عن نظام لا مركزي، «لكن الممارسة العملية أثبتت أن جميع القرارات والموارد تتم إدارتها من العاصمة جوبا»، بحسب مراقبين.

وتقول تقارير الموازنة العامة للدولة في السنوات الماضية، إن المركز يستأثر بحوالي 80% من موارد البلاد وبقية الـ20% من الميزانية تذهب إلى الولايات العشر.

وكان مؤتمر ولايات إقليم الاستوائية سابقا، وهي «الاستوائية الوسطى، شرق الاستوائية، غرب الاستوائية»، هو أول جهة داخل جنوب السودان، طالبت بتطبيق النظام الفيدرالي، وذلك في أول اجتماع عقدوه بعد الاستقلال مباشرة في عام 2011.
كما أعلن ريك مشار، النائب السابق لرئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، والذي يقاتل قوات الحكومة منذ نهاية العام الماضي، أنه يتبنى ميثاقا سياسيا يتبنى خيار الفيدرالية كنظام أفضل للحكم في جنوب السودان.

جاء ذلك خلال مؤتمر عقده مشار مع قيادات حركته في مدينة الناصر، شرق جنوب السودان، مطلع الشهر الماضي.
فيما أعلن حاكم ولاية الاستوائية الوسطى كلمنت واني كونقا، في خطاب ألقاه أمام أكثر من 3 آلاف موظف بحكومة الولاية، معظمهم من أبناء المنطقة الاستوائية، الثلاثاء الماضي دعمه القوي الفيدرالية التي اعتبرها مطلبا غير قابل للتغيير.

وأضاف «مواطنو الولاية يقفون مع مطلب الفيدرالية الذي ظلوا ينادون به منذ بداية تكوين الحكومة في 2011».
وكان الرئيس سلفاكير أعلن في افتتاح أعمال الدورة البرلمانية الجديدة الأسبوع الماضي، أنه يدعم خيار الفيدرالية باعتباره مطلبا شعبيا، وليس لأنه مطلب يتعلق بأفراد، في إشارة إلى نائبه السابق ريك مشار.

وتتزامن موجة المطالبة بالفيدرالية بجنوب السودان الذي انقسم لثلاثة أقاليم في العهد المسمى بالحكم الإقليمي عام 1983، مع استئناف جولة جديدة من مباحثات السلام بين الحكومة والمتمردين بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وقبيل انعقاد مؤتمر الحوار المصيري حول مستقبل جنوب السودان، حيث يسعى سلفاكير ومشار لتجنب المناورة لكل طرف باللعب بتلك الورقة التي باتت مطلبا للاستوائيين والمعارضة.

إبراهيم أوول نكير، محلل سياسي جنوب سوداني، يقول «الدعاوى المتصاعدة نابعة من أنانية مفرطة وتحركها شهوة صراع الموارد والعداء للآخر، بمعنى أنها تراجع حقيقي عن الوحدة التي أوجدها الاستفتاء على تقرير المصير، والذي جرى في يناير2011، وصوت فيه أكثر من %98 لصالح الانفصال».
وأضاف أن «الفيدرالية التي يقصدونها تتجه مباشرة لتفكيك سلطة المركز نسبة للفشل الذريع الذي حظيت به تجربة الحكم الوطني والحزب الحاكم، فمنذ إعلان الاستقلال لا توجد تنمية حقيقية ولا اهتمام بالولايات».
في الوقت ذاته يرى بعض المراقبين أن النظام اللامركزي المتبع حاليا في الحكم أثبت فشله في تقسيم الموارد بطريقة عادلة على الأطراف والولايات، وهو ما يذهب إليه المحلل السياسي مبارك شارلس بالقول «لا أعتقد أن الفيدرالية ستقود إلى تقسيم البلاد، بل ستكون أحد عوامل الوحدة بين المكونات مستقبلا».
واستدرك «فالفيدرالية ستحدد مهام المركز تجاه الولايات أوالعكس، فكل ولاية، أو إقليم فيدرالي سيكون في سباق تنافسي مع باقي الولايات في التطور والتقدم لأنها تعمل بكل أريحية دون تدخل أذرع المركز بطريقة غير مبررة».
ويتكون جنوب السودان، بحسب الدستور من 10 ولايات، كانت في السابق ثلاثة أقاليم هي «الاستوائية، أعالي النيل، وبحر الغزال»، تدار بنظام لا مركزي في الحكم، لكن التجربة العملية أثبتت هيمنة المركز على الموارد، إلى جانب أن الدستور ركز جميع الصلاحيات

التنفيذية في يدي رئيس الجمهورية، بما فيها إقالة حكام الولايات المنتخبين بطريقة ديمقراطية.