السفر والترحال يمثلان رغبة وشغفا عند كثير من الشباب، ويتحملون من أجل ذلك الكثير من المال، ينفق جزء كبير منه في الحصول على تذاكر السفر، ويمثل عمل الشخص في شركات الطيران محفزا له للتجوال حول العالم، متمتعا بالمزايا التي توفرها شركات الطيران لموظفيها ومنها تذاكر السفر المجانية للموظف وعائلته.
والوضع يختلف كثيرا مع علي الزهراني البالغ 80 عاما الذي عمل في الخطوط السعودية نحو 40 عاما لم تطأ قدمه فيها طائرة، حيث يعتبر السفر بسيارته رحلة ممتعة، رغم كل ما يمكن أن توفره الطائرات من رفاهية.

نشأة في أحضان الطبيعة

وفي قرية صغيرة لا يتعدى عدد بيوتها 15 بيتا، تسمى جرداء بني علي، وسط بادية الباحة، نشأ الزهراني في طبيعة يلفها الهدوء، ويغازلها جمال الخضرة والعشب وتنسّم الهواء العليل، جاء إلى الدنيا وسط أسرة عادية كغالبية الأسر التي تعتمد على الزراعة والرعي، فشب عن الطوق وشمر ساعديه لمساعدة أسرته، ولم يتمكن من الالتحاق بالمدرسة لأن قريته لم يصل إليها التعليم آنذاك، إلا من خلال محاولة فردية لأحد السعوديين وكان يسمى القرعاوي، الذي اهتم بأبناء منطقته لنشر التعليم بينهم، وشجعهم على التعلم وكلف أحد المدرسين بتعليمهم القراءة والكتابة والحساب بمسجد القرية، وحدد له راتبا من ماله الخاص قدره أربعة ريالات، كما رصد لكل شخص يرغب في التعلم مكافأة شهرية قدرها ريالان، ما أغرى الزهراني وكثيرا من أقرانه لتعلم القراءة والكتابة والفوز بالريالين، فالتحقوا بالمسجد، وبعد 6 أشهر ترك الدراسة واشتغل كباقي أقرانه في رعي الغنم والإبل.

من رعي الإبل للخطوط الجوية

واستهل الزهراني حياته الجديدة برعي الإبل، يصبح في وادٍ ويمسي في آخر، وبعد خمس سنوات بتلك المهنة، ترك قريته متجها إلى جدة للبحث عن الرزق وفرصة عمل أفضل، فوجد وظيفة للعمل كمراسل بالخطوط السعودية عام 1384، وكان أول راتب تقاضاه 245 ريالا، يعد مبلغا كافيا لتوفير حياة كريمة له ولأسرته آن ذاك، حيث كانت الأسعار قليلة ومتطلبات الحياة محدودة، وإيجار الشقة 25 ريالا في الشهر، ولم تكن هناك أي مصروفات سوى الأكل والملبس.

ليس خوفا

والغريب أن الزهراني رغم عمله في الخطوط السعودية لحوالي 40 سنة، ورغم أنه تتوفر له ولأولاده تذاكر سفر مجانية سنويا إلى أي بلد، إلا أنه لم يركب الطائرة مرة في حياته التي قاربت على الثمانين عاما، وهو أمر لا يعتبره مثارا للدهشة أو مدعاة للاستغراب فيقول: «لم أركب الطائرة هربا من الخوف، لكنني بطبيعتي لا أحب الترحال والسفر، وعندما وصلت لجدة نازحا من الباحة لم أسافر لأي مكان سوى مكة المكرمة والمدينة المنورة والباحة فقط، والسفر بالسيارة متعة بالنسبة لي، ولم أحرم نفسي منها، كما أن السفر بالطائرة يتطلب إجراءات معينة منها الاستعداد للرحلة والبحث عمن يوصلك إلى المطار ومن ينتظرك عند الوصول، وغيرها من الإجراءات .
وتابع هل يعني توفر مزايا التذاكر المجانية لي أنه بالضرورة أن أستغلها، وطالما أنني لست بحاجة لركوب الطائرة فلن أركبها.