كثيرا ما نواجه هذا المصطلح «فلان متدين»، أو «فلانة متدينة». وماذا بعد؟ أقصد ماذا عن الآخر الذي لا يطلق عليه هذه الصفة؟. هناك فرق شاسع بين الدين كجوهر مقدس وبين الفكر الديني، ليس شَرطا أن كل من يتكلم جيدّا يفكر جيّدا، ولذلك كثيرا ما ينساق عوام الناس وصفوتهم وراء جمالية الكلمة معتقدين أنها لا بد أن تكون دليلا على التفكير السليم. كما أن الانسيابية والقدرة على الكلام عن الدين ليست دليلا على الفهم العميق أو الدين العميق، فكثيرا ما تكون دليلا على أن صاحبها ما زال يتعاطى مع الأفكار بمستوى عال جدا من السطحية.
إنه ليس بمُتديّن ذَلك الّذي يحكم عَلى النّاس بالكُفر والإيمان، ولا ذلك الذي يُرعب الخَلق، ويفزع الخطّائين، ويَتوعدهم بالنّيران والجَحيم.ينبغي للمتدين أن يكون أكثر فهما وأعمق لينا ورحمة بمن حوله من الناس وأكثرهم إيمانا بالقيم الجمالية والذوقية والأخلاقية والإنسانية. نحن بحاجة إلى التحرر من أوهام المسميات والتصنيفات، بحاجة إلى فكّ الارتباط بين الدوّال والمَدلولات لأننا في الحقيقة وجدنا أنفسنا بعد ردح طويل من الزمن ننتصر للسياقات لا للمعنى.
نحن بحاجة إلى أفهام جديدة عن الرّحمة والأَدب والأَخلاق والحُب والعقل واللّطف والرّفق والجَمال.
نحتاج إلى إعادة قراءة السياقات وإعادة بنائها وفق مناظير جديدة خلاقة ومبدعة، فالسياقات التي صنفت الناس على أسس دينية خندقتنا وعذبتنا وألزمتنا بما لسنا ملزمين به. وأصبنا بأمراض «التدين» الذي قال عنه أبو حامد الغزالي «أمراض التدين المنحرف تتشابه على مر العصور، جرثومتها الأولى، جفاف الشعور وضيق التفكير وقسوة القلب والانسلاخ العام من الفطرة والتعلق الشديد بالمراسم والصلف بمعرفة الحق، والميل إلى سوء الظن ومعاملة المخطئين بجبروت».

