إذا كان نصف العلم «لا أدري» وثلاثة أرباع الأخبار «إشاعات»، فإن «كلام العاقل ينقص النص» -كما كان يقول أهلنا وتيجان رؤوسنا، أهل الحكمة الشعبية- أي إنك مضطر، في هذا الزمان، أن تحذف وتمحو وتطمس وتشطب كثيرًا مما تسمعه أو حتى تقرؤه، قبل أن تعيد بثه على الهواء مباشرة، أو تسكبه في آذان الناس، فيأخذونه بحسن -أو سوء- نيّة وطويّة على أنّه حقيقة.. ثم ينقلونه على ذمة هذا الراوي «الواسعة» مشاركين في هذا الإثم شراكة «كاملة الدسم» بعد أن يضيف إليه كل واحد بهاراته و»نكهاته الصناعية»!
والله ما أضرت بنا وأمرضتنا و»نكدت علينا ونغّصت عيشتنا» إلا هذه الخصلة الذميمة..
أرأيتم كيف أنها كالرصاصة الطائشة التي تدمي وتقتل، وصاحبها آخر من يعلم؟..
إنها القطرة التي تكون منها الطوفان.. وتسونامي الذي لا يقف في وجهه شيء!
من أجل هذا نقول كلّما «دكدكت» سحب السماء، وتوارى عن الأنظار قرص الشمس: اللهم اجعلها سقيا رحمة لا سقيا عذاب.. اللهم انفع بها البلاد والعباد.. هذا مطر وهذا مطر.. مثله مثل الكلمة الطيبة التي تنفع الناس وتمكث في الأرض، وتلك التي تعبث في عقول الناس وقلوبهم وتقض مضاجعهم، فلا يعودون يهنؤون بعيش.. تستفز مشاعرهم وأحاسيسهم وتنقض غزلهم وتنكث حشوهم..
إن أكثر الأطباء الذين يتدفق عليهم الناس هذه الأيام هم أطباء الأنف والأُذن والحنجرة.. ثم يأتي بعدهم الأطباء النفسيون.. فالأُذن والأنف والحنجرة هي مصدر داء «الإشاعة».. أما أمراض النفس، من قلق واكتئاب ونغاصة، فهي النتاج الطبيعي لما يصدر عن الأنف والأذن والحنجرة!
أقول هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل كلمة قالت لصاحبها دعني!
يا أنف.. يا أذن.. يا حنجرة!
يحيى باجنيد2 دقائق للقراءة

حجم الخط
