حتى الخلود. الذي أعطى للفقير والمريض والحائر في حياته وبعد موته.
ذلك الفيلسوف الأديب الرقيق الطبيب الأسمر سمرة الأرض التي تعطي في صمت وكرم: مصطفى محمود.. الذي آمن ثم ألحد ثم آمن حتى الخلود. الذي أعطى للفقير والمريض والحائر في حياته وبعد موته.
في كتابه، السؤال الحائر، يقول: (سألت نفسي عن أسعد لحظة عشتها، ومر بخاطري شريط طويل من المشاهد، لحظة رأيت لأول قصة تنشر لي، ولحظة تخرجت من كلية الطب، ولحظة حصلت على جائزة الدولة للأدب، ونشوة الحب الأول والسفر الأول والخروج إلى العالم الكبير متجولاً بين ربوع غابات أفريقيا العذراء، وطائراً إلى ألمانيا والنمسا وسويسرا وإنجلترا وفرنسا وأمريكا. ولحظة قبضت أول ألف جنيه. ولحظة وضعت أول لبنة في المركز الإسلامي بالدقي استعرضت كل هذه المشاهد وقلت في سري: لا.. ليست هذه! بل هي لحظة أخرى.
ذات مساء من عشرين عاماً اختلط فيها الفرح بالشكر بالبهجة بالحبور حينما سجدت لله فشعرت أن كل شيء في بدني يسجد، قلبي يسجد، عظامي تسجد، أحشائي تسجد، عقلي يسجد، روحي تسجد.
حينما سكت في داخلي القلق وكف الاحتجاج ورأيت الحكمة في العذاب فارتضيته، ورأيت كل فعل الله خيرا، وكل تصريفه عدلا، وكل قضائه رحمة، وكل بلائه حبا، لحظتها أحسست وأنا أسجد أني أعود إلى وطني الحقيقي الذي جئت منه، وأدركت هويتي وانتسابي، وعرفت من أنا وأنه لا أنا بل هو ولا غيره، انتهى الكبر وتبخر العناد وسكن التمرد وانجابت غشاوات الظلمة وكأنما كنت أختنق تحت الماء ثم أخرجت رأسي فجأة من اللجة لأرى النور وأشاهد الدنيا وآخذ شهيقاً عميقاً وأتنفس بحرية وانطلاق، وأي حرية وأي انطلاق، يا إلهي! لكأنما كنت مبعداً منفياً مطروداً أو سجيناً مكبلاً معتقلاً في الأصفاد ثم فك سجني، وكأنما كنت أدور كالدابة على عينيها حجاب ثم رفع الحجاب، نعم، لحظتها فقط تحررت.
نعم تلك كانت الحرية الحقة حينما بلغت غاية العبودية لله، وفككت عن يدي القيود التي تقيدني بالدنيا وآلهتها المزيفة: المال والشهرة والجاه والسلطة واللذة والغلبة والقوة، وشعرت أني لم أعد محتاجاً لأحد ولا لشيء لأني أصبحت في كنف ملك الملوك الذي يملك كل شيء).إنه أحد الكنوز التي أخرجتها مصر، ولشعب مصر الذي لا يهدأ الآن إلا ليثور أهدي هذه السطور.