على مسافة نصف ساعة فقط من مدينة دونيتسك، تغير حواجز الطرقات ألوانها – من الأحمر-الأزرق-الأسود للانفصاليين التابعين لـ»جمهورية دونيتسك الشعبية» إلى ألوان العلم الأوكراني: الأصفر والأزرق. قوة من المتمردين الرعاع المرتزقة والمتطوعين يحل محلها جيش من مجندي الحرس الوطني المتوترون.

وعلى امتداد 160 ميلا تقطعها لتصل إلى دنيبروبيتروفسك – والتي يتحدث معظم سكانها أيضا، مثل دونيتسك، اللغة الروسية- ترى الأعلام الأوكرانية في كل مكان. العلم الوطني يغطي كامل جانب ناطحة سحاب على نهر دنيبر. الاستعراض العلني للوطنية أكثر ظهورا في هذه المدينة منه في العاصمة الأوكرانية كييف نفسها.
إنها جبهة مثيرة للفضول. ليس هناك الكثير مما يميز سكان دونيتسك عن دنيبروبيتروفسك: ليس اللغة، العقيدة، الانتماء العرقي، أو المركز الاجتماعي-الاقتصادي. ومع ذلك فإن دونيتسك ومحيطها استولى عليها مقاتلون انفصاليون روس. الحملة لإيقافهم يتم قيادتها من دنيبروبيتروفسك.

هذه المدينة، دنيبروبيتروفسك، هي حاليا مركز الصراع الدولي من أجل القيم الديمقراطية. بعد ربع قرن من انهيار الشيوعية في أوربا، المكان الذي لم ينته العمل الذي بدأ في 1989 فيه بعد هو أوكرانيا.

في وارسو يوم الأربعاء الماضي، التقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع الرئيس الأوكراني المنتخب بيترو بوروشينكو، الذي حقق فوزا كاسحا في الانتخابات الأوكرانية الرئاسية الأخيرة. السيد بوروشينكو يحتاج إلى الدعم السياسي الأمريكي، لكنه لا يحصل على الأسلحة والعقوبات ضد روسيا التي يمكن أن تساعده على الحفاظ على وحدة أوكرانيا.

المتمردون في شرق أوكرانيا يقودهم روسي اسمه إيجور جيركين. يقول الأوكرانيون إنه يعمل حاليا لصالح الاستخبارات العسكرية الروسية. الشخص الذي أعلن نفسه رئيسا لوزراء المنطقة الانفصالية التي أطلقت على نفسها اسم جمهورية هو ألكسندر بوروداي، وهو أصلا من سكان موسكو لكنه كان في شبه شبه جزيرة القرم قبل أن يظهر في دونيتسك. مع أن الكرملين ينكر الأمر، إلا أن روسيا هي التي تقف وراء الحرب في شرق أوكرانيا.

في وقت مبكر من هذا الربيع، بدت مدينة دنيبروبيتروفسك ضعيفة. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يضع هذه المدينة، بالإضافة إلى أوديسا و خاركيف، ضمن حدود روسيا الجديدة، والتي كان القياصرة الروس يحكمونها في يوم من الأيام. وهي معروفة بأنها موطن الزعيم الروسي ليونيد بريجنيف وفيها أكبر مصنع للصواريخ البالستية السوفيتية العابرة للقارات، والذي أعيد استثماره مؤخرا من أجل أغراض تجارية.

لكن نخبة رجال الاقتصاد في دنيبروبيتروفسك كانوا دائما موالين لأوكرانيا. كييف كانت الطريق الأفضل لتحقيق الأرباح من موسكو. في الأيام الفوضوية الأولى من شهر مارس بعد سقوط الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا، كانت السلطات الجديدة في كييف حريصة على ملء فراغ السلطة في شرق أوكرانيا. في دنيبروبيتروفسك، تم تعيين اليهودي الأوكراني كولومويسكي، وهو من الأثرياء المحليين، محافظا للمدينة.

الملياردير الذي يبلغ عمره 51 عاما لم تكن لديه خبرة سياسية. أسس أكبر بنك في المدينة وإمبراطورية أعمال متنوعة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بطريقة استغلالية وحشية. مهارته تؤله للتعامل مع التسلط الروسي.

كولومويسكي وفريقه يحاربون بوتين بنفس طريقته. الرئيس الروسي استأجر مرتزقة؛ وكذلك فعل كولومويسكي. وفيما اقتحم الانفصاليون مخازن الأسلحة الأوكرانية في الشرق، أمر كولومويسكي بالاستيلاء على الأسلحة التي لدى وحدة عسكرية غير فعالة وإعطائها لكتيبة دنيبر التي شكلها. وخصص جائزة قدرها 1.000 دولار مقابل مصادرة الأسلحة و10.000 دولار مقابل كل «إرهابي» معادي لأوكرانيا يتم القبض عليه. كما قامت أجهزة الإعلام التي يملكها بالرد على الحملة الإعلامية الروسية.

سمعة كولومويسكي في التجارة تثير سؤالا قديما في أوكرانيا: هل يستغل منصبه السياسي لتوسيع إمبراطوريته التجارية؟ حاليا، يبدي الكثيرون في كييف الكثير من اللامبالاة ويقولون إنه أنقذ البلد من خلال الحفاظ على سلامة منطقته وخارج الأيادي الروسية.

هنا، في دنيبروبيتروفسكن يتم رسم خطوط الحضارة. في دونيتسك، تنتشر عمليات النهب والسلب والتعذيب والترهيب حتى أنها أصبحت هي المعيار الجديد للمدينة. المتمردون يقومون بطرد قوات الأمن الأوكرانية من المدينة. المدنيون الذين يتعاطفون مع النظام في العاصمة كييف يخرجون من المدينة أيضا. في دنيبروبيتروفسك، هناك ثلاثة معايير يمكن ملاحظتها بوضوح: القيم الغربية، الوطنية الأوكرانية، والأمل بالانفصال نهائيا عن إرث المرحلة السوفيتية. هذا التغيير، وليس الخلاف على اللغة أو الانتماء العرقي أو غير ذلك من الأمور، هو الذي يغذي الصراع في شرق أوكرانيا مع روسيا.