كنت في نثار الأسبوع الماضي قد تحدثت عن ذلك العنف الذي تمارسه معظم الأطياف - داخل مجتمعنا- التي وجدت في (تويتر) وبقية المنظومة (التواصلية) فرصة للتعبير عما يضطرم داخلها من مشاعر ورؤى (والحقيقة أن ذلك العنف يتجاوز عالم الافتراض إلى عالم الحقيقة، الذي تحقق فيه معدلات الجريمة والطلاق والخلع نسبا مرتفعة باستمرار). وقد انتهى النثار المنصرم إلى أن ثمة تجليات لهذا (العنف) من استنتاجات وبعض من حقائق، يمكن مقاربة تلك الظاهرة الموجعة من خلالها.. كما سوف أقاربه اللحظة استكمالا لتجليات اللقاء السابق:

٣- ومن جهة أخرى لتصنيفات المجتمع للتيارات المتنوعة، فإن الذهنية الجمعية قد أساءت الوعي بكثير من قيم التحضرالمدنية، بسبب ذلك (التجييش الرهيب) ضد كل ما يتعلق بـ(الحداثة) و(العلمانية) و(الليبرالية) على وجه (العموم والقطعية)، لتصبح كل فكرة (حديثة) خطيئة (دينا وعرفا)، لأنها من عائلة (الحداثة) الآثمة، وكل نداء للعقل ونزعة للعلم ضلال وزندقة، لأنها من إنتاجات (العلم..انية) البغيضة، وبالتالي فكل تحرر من القيود التي تمنع الإنسان من اعتداده بنفسه وتطلعاته ومطالبته بحقوقه الإنسانية المشروعة هو أحد استدراجات (الليبرالية) الموشومة!

وبالمقابل فإن الذين أوهموا الناس بحقيقة وجود (التيار الديني)، داخل مجتمع متدين بطبعه وأسلافه، جعلوا من كل من يخالف أي عالم (رباني) - له القداسة والتنزيه - في قول أو رأي أو (فتوى) ضالا مضلا، لتكون النتيجة (بتحديد) تيارين فحسب: (الرهط) الذين لا يؤمنون على الإطلاق بكل قيم وممارسات عالم الحضارة والمدنية، وتيار الذين يريدون - بوجل وعلى استحياء- نشر قيم العلم الخالص والتفكير الحر والتفاعل مع معطيات الحضارة الجديدة من (تقنيات وتيارات ونماذج، لا تتعارض بالضرورة مع القيم الدينية للمجتمع).

٤- المجتمع لدينا بسبب علل كثيرة أصبح متفرقا ضائعا مخترقا من (كل) تلك العمالة الأجنبية التي تلتف به من كل جانب، والتي زادت (طينه بلة)، لأنها عمالة مهولة العدد ومجردة - مثلنا- من أكثر قيم التحضر أهمية، بل إن تلك العمالة أنتجت أشكالا جديدة ومحترفة من (العنف)، بسبب اليأس والتعب والشعور بالظلم والقهر من المعاملة الاجتماعية القاسية والتأخر في استلام الاستحقاقات المادية..

٥- ولا شك أن لذلك العنف الجمعي علاقة بغياب (تغييب) الفنون والممارسات الفنية الجمالية، والتي كان المجتمع أثناء معايشته لها وممارسته إياها، قبل زمن (صحوة العنف) ودودا متسامحا، تغني نساؤه مع رجالهن في الحقول البعيدة، وفي المدن القريبة كانت أشجارالبساتين على الأطراف تتراقص على تراجيع أعذب الأصوات التي (تطل) بعد كل (أصيل) و(تطرق) الأسماع عند كل حنين، كما كانت الشاشات القماشية البيضاء تمتد أمام أعين النظارة في المساحات الممكنة داخل المدن، لتعرض حكايات رومانسية عذبة لنجوم الفن السابع عربيا وعالميا.

ماذا ننتظر -إذا- من مجتمع لا يغني، ولا ينصت للبلابل وهي تغني عذابات الإنسان وأحلامه، ولا يرقص، ولا يتطهر (تراجيديا) من عقده وغيظه، كما أن وعيه وممارساته بالفنون الممكنة محكومة بقيود الذهنية الجمعية المشككة في كل تجل فني جديد، يأتي من الشرق أو الغرب، زاخرا بأشعار الزمن الجديد وروايات (واقع السحر) ونقد (المفككين) لوحدة كل سكون؟!..

ماذا ننتظر من طائر يظل محبوسا وحيدا في أقفاصه الشائكة (المركونة) في أسفل بيوت المدينة، حيث لا هواء ولا ضياء ولا صوت يأتي من بعيد لطائر يؤنس ويواسي؟!

٦- ولعل من أسباب العنف غياب التعاطي المنشود للقيم النبيلة، التي تحتفي بالمحافظة على حقوق الآخرين، والتمسك بالأنظمة والقوانين، وعدم الصعود على أكتاف المستحقين، أو استغلال الفرص الآثمة للكسب والتملك على حساب الضعفاء، ممن لا حول لهم ولا قوة ولا (يد) أو (ظهر)، وربما أن سبب غياب تلك القيم المفضية إلى استقرار المجتمع واختفاء مظاهر اعتداء وعنف أفراده على بعضهم: عدم (تغلغل) أهم فكرتين محوريتين لإنتاج تلك القيم العظيمة في النفوس، أولهما الفكرة الدينية، التي اقتصر الوعي بها على ممارسة الشعائر وتقديس الرموز الدينية (ولعل القول الشائع بأن لدينا إسلاما بلا مسلمين يؤكد ذلك الرأي)، وثانيهما الفكرة الحضارية الثقافية التي يتخلق منها مجتمع يسمو فوق جاهليته وعنفه..مجتمع يحتفي بالحوار والتعدد والتواد..ويتلمس خطاب العلم والثقافة.

[email protected]