في إحدى ليالي الصيف الملتهب في الساحل الغربي من البلاد كنت في زيارة إلى قريتنا الصغيرة الغارقة في بحر الرمال، في تلك الليلة وحال خروجي لأداء صلاة المغرب استوقفني جاري العزيز ليخبرني أنه قد وجد ثعبانا داخل منزله، ولم يفلح في الإمساك به، نظر إلى عيني مباشرة ثم أردف قائلا «لقد خرج من منزلي وأظنه دخل منزلك» (حينها قمت بترديد الموال الينبعاوي الشهير: يالي حيالي حي ياليحي) لقد تذكرت الفتحة أسفل الباب الخارجي والتي تسمح بدخول فيل وليس ثعبان، وكيف أنني كنت دائما أتجاهل طلبات زوجتي المتكررة لتغيير الباب .. فندمت حيث لا ينفع الندم.
بداية يجب أن أعترف للقراء الأعزاء بأنني أخاف الثعابين، أخافها وأخاف من ذكرها وأشكالها وألوانها وأطوالها، لا فرق عندي بين خبيثها وطيبها، لقد رأيت كثيرا منها في صباي، ولم تكن تحرك فيّ ساكنا، ولكن يبدو أن الخوف قد تسلل ببطء شديد حتى استقر في أعماقي، مع أنني تعلمت من سلوكها الشيء الكثير، من ذلك مثلا؛ أنها لا تهاجم أبدا (من الباب للطاقة)، وإذا حدث وهاجمت فإنها لا تغرز أنيابها في جسد ضحيتها، ذلك أنها تضن بأنيابها أن تكسر فلا تعود ثانية وأنيابها أغلى ما لديها، لكن كل ذلك لم يغير من الواقع شيئا، فأنا أخاف الثعابين.
أخذت أتحسس طريقي المظلم جدا بعد خروجي من المسجد وأحسب خطواتي بدقة بالغة، كنت خائفا من أن أدوس ثعبانا (تايه) فيلدغني. مع أني سرت في نفس الطريق آلاف المرات ولم تخطر الثعابين في بالي أبدا إلا ذلك اليوم، قمت بتمشيط المنزل والكشف في كل زواياه فلم أجد أثرا للثعبان اللعين، كان كل همي أن أجده قبل أن أخلد للنوم، ولما لم أجد له أثرا ارتميت على الفراش وأنا منهك تماما. عندما كنت في الحالة التي يكون فيها الشخص بين النائم والمستيقظ في هذه الأثناء، وقعت قدمي اليمنى خطأ على اليسرى، فقفزت من السرير بشدة، ووقعت حتى كادت قدمي تكسر، تنبهت زوجتي فاقتربت مني وربتت على كتفي وبقيت تقرأ المعوذات، ثم قالت وهي تسير مبتعدة (لا توجد ثعابين إلا داخل رأسك) قمت وتوضأت وصليت ركعتين ثم توجهت لمكتبتي .. سحبت منها كتابي العتيق، نفضت عنه الغبار ثم أخذت أقلب صفحاته لعلي أجد الجواب حول سؤال (كيف ومتى ولج الثعبان إلى رأسي؟).
في نهاية القرن التاسع عشر اعتقد (سيغموند فرويد) خلال بحوثه في الضفادع أن (الجهاز العصبي مكون من خلايا، وأن هذه الخلايا لا ترتبط مباشرة ببعضها، ولكن يوجد بينها فراغات) لم يحدد بالضبط ماهيتها. ضغط الحياة الشديد دفع «بفرويد « للبحث عن لقمة العيش بعيدا في مجال (التحليل النفسي). مع أنه لم يكمل بحوثه أبدا إلا أنه وكما نشاهد دائما؛ الأفكار الخلاقه لا تموت بل تنمو، فبعد ذلك التاريخ بعشرين عاما، وبعد عشرات ومئات وآلاف التجارب استطاع التشيكي «فان باركنجي» أن يصنع الصبغة التي تمكننا من عزل ورؤية الخلايا العصبية تحت الميكروسكوب، الخلايا العصبية فعلاً وكما اقترح «فرويد» لا ترتبط ببعضها بعضا بصورة مباشرة بل إن هناك فراغات أطلقنا عليها فيما بعد اسم (نقاط الاشتباك العصبي) وهي تحتوي على نواقل دقيقة جداً تعمل عمل المركبة، حيث تنقل المثيرات من خلية إلى أخرى أسرع من أي شيء تتخيله.
يحتوي عقل الإنسان على أكثر من مئة مليار خلية عصبية، هذا هو العدد الفعلي، أما العدد الوظيفي فهو أكثر من ذلك بمليارات المرات لأن الخلايا العصبية لديها القدرة على مد «أذرع» جانبية وأمامية وخلفية تمكنها من الاشتباك مع جاراتها وكل خلية عصبية لديها القدرة على مد العشرات من الأذرع. لكن هذا لا يحدث بصورة آلية (إن هناك إشارات على أن خلايانا العصبية تنمو عندما نستخدمها وتذبل عندما نهملها) كما يقول «بون يونج» في مقابلة له مع الـ BBC في 1950 (أعتقد أن أي عمل نقوم به يطبع أثرا، سلبا أو إيجابا داخل خلايانا العصبية).
عندما نظرت إلى الثعبان للمرة الأولى خفته فعلاً، فقامت الخلايا المتخصصة بالخوف بتوصيل هذه المعلومة إلى مراكز العواطف في الدماغ، هذا أولاً. وثانيا تقوم بمد أذرع ضعيفة إلى جاراتها من الخلايا العصبية وخلق نواقل جديدة، إصراري على الخوف جعل هذه الأذرع تقوى وتنتشر وتكثر حتى تكونت كتلة ضخمة داخل دماغي أصبح من الصعب التخلص منها إلا بجهد مضاعف، الخوف من الثعبان فعلاً تكوْن له بصمة «تشريحية» داخل تجاويف دماغي تمثل هذا الخوف.. السيجارة في يد الشاب تحفر لها مع الزمن «مسارات» داخل عقله لا يستطيع فكاكاً منها إلا بصعوبة بالغة. العقل لا يقوم بعملية بناء وحسب، بل وهدم كذلك، عندما يقدر الله علينا بموت عزيز فإننا ندخل في حالة نطلق عليها اسم (الصدمة) وهي حالة عنيفة نكون فيها بين التصديق والتكذيب، تقبل الواقع أو الاستمرار في الوهم، وذلك عائد إلى وجود كتلة عصبية ضخمة داخل أدمغتنا تخص ذلك الشخص، وتكون راكدة في الأحوال العادية، ولكن خبر الوفاة يستثيرها جدا، وهذا هو سبب إحساسنا بالجزع والحزن الشديد، إذا امتثلنا لأمر الله وصبرنا فإن العقل يقوم آليا وتدريجيا بعملية (تفكيك) لهذه الكتلة، وإرسالها لمناطق أخرى ومهام أخرى، لذلك ننساه تدريجيا، أما إذا جزعنا وكفرنا فإن الكتلة تبقى كما هي، وندخل معها في دوامة من الحزن والأسى والكآبة والأمراض النفسية والعقلية. العادات الحسنة يصعب علينا أداؤها في البداية، كالصلاة والخشوع فيها أو القراءة وغيرها، ولكن إصرارنا على المحافظة عليها يجعل لها مكانا داخل عقولنا يكبر باستمرار، لتصبح بعد ذلك جزءا من كينونتنا وشخصيتنا.. الحب مقابل الكراهية، الحرص مقابل الإهمال، ابتغاء الله والدار الآخرة مقابل التعلق بالدنيا، سلامة القلب مقابل الحقد والحسد والكراهية، لكل ذلك «صورة» طبق الأصل في أدمغتنا، تشكل شخصياتنا وتحدد مصيرنا (راقب أفكارك لأنها تصبح أفعالا، راقب أفعالك لأنها تصبح عادات، راقب عاداتك لأنها تكون طباعاً، راقب طباعك لأنها تحدد مصيرك).