أكد تقرير صدر في واشنطن أخيرا، أن الصراع ضد الإرهاب لم ينته بعد، وأن تهديده ثابت ومستمر، مشيرا إلى تطور تنظيم القاعدة وغيره من الجماعات الإرهابية. والتقرير الذي أصدرته مؤسسة »راند«، هو أحد التقارير البحثية الدورية التي تصدر عن مؤسسة «راند» – Rand في الولايات المتحدة، والتي تخدم الأمن الدولي وسياسة الدفاع الوطني وتقدم لصناع القرار لا سيما وزارة الدفاع (OSD) والأركان المشتركة والوحدات العسكرية والبحرية ووكالات الاستخبارات المختلفة، من أجل التصدي للمخاطر والتحديات التي تواجة أمريكا خاصة »مكافحة الإرهاب«.
ينطلق هذا البحث التقرير الجديد من سؤال محوري: ما هو الوضع الحالي لتنظيم القاعدة والجماعات الجهادية الأخرى؟ وكيف تطورت الحركة الجهادية السلفية بمرور الوقت؟ لا سيما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001؟

الكم والكيف

تطور تنظيم القاعدة والجماعات المنبثقة عنه والموالية له هو موضوع نقاش مكثف في الغرب، استنادا إلى تحليل آلاف الوثائق «التي رفعت عنها السرية أخيرا» وهي المصدر الرئيسي لهذا التقرير، إضافة إلى تصريحات ومذكرات خاصة بقادة تنظيم القاعدة وغيرهم من الجهاديين.
يخلص الباحث إلى أن هناك تزايدا في كم وكيف الجماعات الجهادية والمقاتلين ناهيك عن الهجمات ونوعيتها على مدى السنوات العديدة الماضية.
الجديد في هذا التقرير هو استخدام الباحث هذا التحليل لبناء إطار لمعالجة مستويات مختلفة من التهديد في بلدان متنوعة، حيث تزايدت المخاطر وتصاعدت التهديدات مع انخفاض قدرات حكومات هذه البلدان عن مواجهته.
يشتمل التقرير على قاعدة بيانات للمعلومات عن الجماعات الإرهابية مثل: عدد الجماعات الجهادية السلفية وحجمها التقريب ونشاطها، فضلا عن عدد الهجمات التي قامت بها والوفيات والجرحى والإصابات غير المباشرة.
أحد أهم أسباب الزيادة في عدد الجماعات الجهادية هو ضعف الحكومات في جميع أنحاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط وعدم قدرتها على فرض القانون والنظام، وهو ما يسمح لهذه الجماعات بأن تنشط وتملأ الفراغ كدولة داخل دولة عن طريق الهجمات الإرهابية والترويع.
ارتفع عدد الجماعات الجهادية إلى 58 % بعد 2010، فضلا مضاعفة أعداد المقاتلين الإرهابيين وثلاثة أضعاف الهجمات الإرهابية التي قام بها تنظيم القاعدة وفروعه المختلفة، أما التهديد الأكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة فهو يأتي من اليمن وسوريا وأفغانستان وباكستان.
وتشمل الأمثلة لهذه الجماعات الإرهابية والتي يتضمنها التقرير: تونس والجزائر ومالي وليبيا ومصر (بما في ذلك شبه جزيرة سيناء) ولبنان وسوريا.
وتشير الاتجاهات العامة إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى الاستمرار في التركيز على مواجهة انتشار هذه الجماعات الجهادية السلفية، التي استفحلت في أفريقيا والشرق الأوسط على الرغم من الإغراءات لتحويل الانتباه والموارد الاستراتيجية إلى «إعادة التوازن» إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتقليل ميزانيات مكافحة الإرهاب في عصر القيود المالية عقب الأزمة الاقتصادية في 2008، حيث أصبحت الحركة السلفية الجهادية هي الأوسع نطاقا ولم يعد لها أي مركز ثابت أي أنها أصبحت اليوم «لا مركزية».

قواعد القاعدة

ويؤكد سيث جونز الباحث الرئيسي في «راند» الذي أعد هذا التقرير، أن هناك أربعة مستويات لهذه الجماعات، وهي كالتالي:

  • 1 - تنظيم القاعدة الرئيسي ومقره باكستان ويتزعمه أيمن الظواهري.
  • 2 - الجماعات والمنظمات (الرسمية) التي أقسمت الولاء لتنظيم القاعدة وهي تقع في سوريا والصومال واليمن وشمال أفريقيا.
  • 3 - جماعات كاملة من الجهاديين السلفيين لم تقسم بالولاء لتنظيم القاعدة ولكنها ملتزمة بإقامة «إمارة إسلامية» متطرفة.
  • 4 - جماعات انبثقت كفكرة تستلهم أهداف القاعدة في ذهن بعض الأفراد والشبكات الإسلامية.

من هنا فإن التهديد الذي تشكله هذه المجموعات الجهادية المتطرفة – على تباينها - يختلف من مكان إلى آخر وعلى نطاق واسع.
بعض هذه الجماعات يركز على الشأن الداخلي للدول في المنطقة ولديها أهداف قليلة بمهاجمة الأهداف الغربية، أما تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية فهو يمثل تهديدا قويا ومباشرا لأمن الولايات المتحدة الأمريكية، وهو يسير جنبا إلى جنب مع الجماعات الجهادية التي تتبع أفرادا أو شبكات مثلما هو الحال مع الأخوين تسارنايف Tsarnaev منفذي تفجيرات ماراثون بوسطن نوفمبر في 2013، بالإضافة إلى العديد من الجماعات الجهادية السلفية التي تشكل تهديدا متوسط المستوي بسبب رغبتهم في وقدرتهم على استهداف المواطنين والمنشآت الأمريكية في الخارج بما في ذلك السفارات الأمريكية.

ويحدد الباحث 3 مستويات للتهديد بحسب الدول هي:

  • تهديد على مستوى عال يقع في اليمن وسوريا وأفغانستان وباكستان.
  • تهديد على مستوى متوسط يقع في الصومال والعراق وليبيا ونيجريا والجزائر.
  • تهديد على مستوى منخفض يقع في تونس ومالي والمغرب.

3 استراتيجيات

ويقترح الباحث ضرورة أن تضع الولايات المتحدة 3 استراتيجيات لمكافحة الإرهاب:

  • 1 - استخدام العمليات الخاصة والاستخبارات والقدرات الدبلوماسية وغيرها من أجل «دقة استهداف» هذه الجماعات الجهادية والشبكات الداعمة لها عبر تتبع عمليات الدعم المالي واللوجستي والسياسي، وبالتحديد عندما يكون هناك تهديدات للأمن القومي الأمريكي مع انخفاض قدرة الحكومات المحلية في مواجهة الإرهاب.
  • وهذه الاستراتيجية أكثر صرامة وقدرة على التكيف مع تحولات الإرهاب لا سيما الجماعات الجهادية السلفية في سوريا تحديدا، والذين شكلوا في 2013 أكثر من نصف أعداد الجهاديين في جميع أنحاء العالم، وتحالفوا إما سرا أو علنا مع الحلفاء المحليين والإقليميين.
  • 2 - «الشراكة إلى الأمام» وتتمثل في نشر أعداد صغيرة من القوات العسكرية الأمريكية وعملاء الاستخبارات والدبلوماسيين وموظفي المنظمات الأخرى لتدريب قوات الأمن المحلية، مع جمع المعلومات الاستخباراتية من أجل تقويض تمويل الإرهاب.
  • وهذه الاستراتيجية على العكس من استراتيجية الاشتباك مع الجماعات الإرهابية والجهاديين مباشرة، فإن القوات الأمريكية لن تصبح في حرب مباشرة سواء عن طريق الغارات أو الهجمات بالطائرات بدون طيار.
  • 3 - «التوازن في الخارج» وهي تستخدم في الحالات التي تمثل تهديدا مباشرا ولكنه ضعيف أو محدود ضد المصالح الأمريكية، وهنا ينبغي الاعتماد على الحلفاء والحكومات المحلية في مواجهة الجماعات الإرهابية مع تجنب الانخراط المباشر في الحرب ضد الإرهاب أو «الشراكة إلى الأمام».

نهاية سان ريمو: الكارنتين والكانتونات وشبه الدولة
التقسيم الناعم في الشرق الأوسط

لا هم للباحثين والكتاب في الغرب اليوم، إلا العزف على نغمة » سايكس بيكو«، في سيمفونية يتردد صداها في المقالات والدراسات والتقارير بصفة خاصة والميديا بوجه عام.
من هنا تبدو عملية »الفرز« شاقة جدا بين ما هو رأي شخصي أواجتهاد في التنظير وبين (صوت صناع القرار) على لسان وقلم بعض الكتاب المطلعين على بواطن الأمور.
من أهم المقالات التي تعبر عن هذا النوع الأخير مقال جريجوري جوز الأخير في (واشنطن بوست) والمعنون: هل هي نهاية سايكس بيكو؟.. ورغم خطورة ما طرحه إلا أن الصحف العربية لم تترجم المقال كاملا، بعضها فقط اكتفى بتلخيص بعض أفكاره.

أولا: المقال يحدد بالضبط أين ومتى ولماذا برزت فكرة «التقسيم الناعم» للشرق الأوسط؟ ثم ما هو الشكل المتصور أن يكون عليه هذا التقسيم مع ضرب أمثلة عديدة؟ بعيدا عن الإغراق في التهويل أوالتهوين النظري الايدولوجي.

ثانيا: المقال يحدد ضمنيا السبب (غير المعلن) لقرار التقسيم وهو بعبارة واحدة انهيار عملية السلام في الشرق الأوسط 1999، ما يعني أن سايكس بيكو الأول والثاني في القلب منه «إسرائيل».. أما أكذوبة ما يسمى بالربيع العربي والإرهاب والفتن الطائفية فهي مجرد معابر رملية لممرات غير مرئية.

ثالثا: المقال يعيد تصحيح و»ترتيب» معظم ما قيل تقريبا عن «الشرق الأوسط» منذ منتصف السبعينات من القرن العشرين وحتى كتابة هذه السطور، بداية من الكتاب العلامة الذي أطلق صيحة التقسيم «بين جيلين» لزبجنيوبريجنسكي، مرورا بما صرح به مارتن أنديك على لسان الرئيس السابق بيل كلينتون نفسه قبل 2000 وانتهاء بما كتبه ليونيد إيفانوف رئيس أكاديمية القضايا الجيوسياسية الروسية، عن وضع إسرائيل في الشرق الأوسط الجديد.

قرار تقسيم الشرق الأوسط اتخذ بالفعل في أعقاب أزمة العلاقات الأمريكية مع مصر والتي تعود إلى 1999 مع انهيار عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، في نهاية عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وازدادت سوءاً على مدى ثماني سنوات في عهد الرئيس بوش الابن (2000 – 2008).
خيبة الأمل في الولايات المتحدة تمثلت في فشل الرئيس حسني مبارك في إقناع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، بالتوقيع على اتفاقية «كامب ديفيد 2» بين الطرفين، فضلا عن السلام البارد بين مصر وإسرائيل على مدى 30 عاما منذ اتفاقية كامب ديفيد الأولى عام 1979 رغم المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية لمصر.
في 2004 قال مارتن أنديك بالحرف الواحد نقلا عن الرئيس بيل كلينتون: إن فشل كلينتون في تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل جعل الاستراتيجية التي تجعل من السلام العربي الإسرائيلي مفتاحا للشرق الأوسط (استراتيجية فاشلة) حيث لم يعد الكثير من الأمريكيين يتبنونها، على العكس، لم يبق أمام الولايات المتحدة والغرب سوى واحدة من استراتيجيتين: العنف والحرب، والضغط السياسي والدبلوماسي، من أجل تغيير طبيعة العالم العربي المغرقة في التقليدية والتطرف... أو»الكارنتين» أي الحجر الذي يمنع الإرهاب من الوصول إلى الشواطئ الأوروبية والسواحل، حتى تصفي المنطقة نفسها بنفسها.
أما ليونيد إيفانوف رئيس أكاديمية القضايا الجيوسياسية الروسية، فقد أعلن أن أمن إسرائيل بعد فشل عملية السلام منذ 2000 يكمن في جعل الشرق الأوسط غارقا في الفتن الداخلية والنزاعات الخارجية ولتحقيق ذلك يعمل الأمريكيون على تهيئة الأوضاع داخل كل دولة في الشرق الأوسط بطريقة تضمن استمرار دوي الانفجارات في المنطقة. وهي تقريبا نفس الفكرة التي طرحها السياسي الأمريكي المخضرم زبجنيوبريجينسكي في منتصف السبعينات من القرن العشرين في كتابه «بين جيلين»، وهي « تفكيك النظام الإقليمي في الشرق الأوسط وإعادة تشكيله على أسس عرقية وطائفية». وكان ذلك قبل قيام الرئيس أنور السادات بزيارته التاريخية للقدس وبدء أول عملية سلام مع إسرائيل انتهت باتفاقية «كامب ديفيد» 1979.

قديم متجدد

وفي مقال نشر في مجلة «السياسة الخارجية» نهاية 2011 في أعقاب ما يسمى بالربيع العربي، أعاد ما سبق وقاله حرفيا قبل أربعة عقود في كتابه «بين جيلين»، من منظور جديد حيث أكد أن عملية السلام التي لم تكتمل في الشرق الأوسط تدفعنا إلى إحياء المشروع القديم المتجدد، وقال: إن الشرق الأوسط مكون من جماعات عرقية ودينية مختلفة يجمعها إطار إقليمي يقوم على أساس (الدولة – الأمة)، والحل للصراع المزمن في الشرق الأوسط هو تحوله إلى كانتونات طائفية وعرقية يجمعها إطار إقليمي «كونفدرالي» وهو ما يسمح للكانتون الإسرائيلي أن يعيش في المنطقة (في سلام) بعد أن تصفى فكرة (الدولة القومية) أوبالأحرى نزعة (القومية العربية)!

مقال عوز

تصاعد حدة الحرب الأهلية في سوريا بالتزامن مع الاضطرابات في العراق وعدم استقرار الأوضاع السياسية في لبنان أدى بطبيعة الحال إلى العديد من التكهنات حول «الحدود المصطنعة» في الشرق الأوسط والعالم العربي الذي خطت ملامحها بريطانيا وفرنسا في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية في بواكير القرن العشرين.
« نهاية سايكس بيكو» هي الشعار المستخدم من قبل هؤلاء الذين يزعمون أن الحدود نفسها هي على وشك «تغيير جوهري»، وهذا من الأخطاء الشائعة اليوم، صحيح أن اتفاق «سايكس بيك» 1916 قسم الدول العربية (وبعض المناطق التركية والكردية) -أي أراضي الإمبراطورية العثمانية السابقة بين بريطانيا وفرنسا- ولكن ترسيم الحدود النهائية تم من قبل القوتين في مؤتمر (سان ريمو) 1920. فقد منح «سايكس بيكو» ما يعرف الآن بشمال العراق إلى فرنسا، وتوقع نظاما دوليا لاحقا للأراضي المقدسة.

قوقل والكيانات

إذا بحثنا على «قوقل» عن «نهاية سايكس بيكو» سنحصل على (14.700) إجابة على الأقل تؤكد هذه النهاية على لسان دبلوماسيين وأكاديميين وصحافيين – معظمهم على قدر من الاحترام- عبروا عن شكوكهم حول الوضع الإقليمي الراهن واستمرار الدولة القومية كما عهدناها في السابق. ولكن يجب أن نكون على حذر بالقفز على استنتاج مفاده نهاية الترتيبات الجيوسياسية التي أنشأتها بريطانيا وفرنسا منذ نحو مئة سنة، وأنها لن تستمر أكثر من ذلك التاريخ!

تضاريس الاستعمار

لكن يبدو أن آفاق خريطة الشرق الأوسط تحمل الكثير مما يغري على البحث في تضاريسها الآن -أكثر من أي وقت مضى- إذ لا أحد يشك أن إسرائيل والأردن والدولة الفلسطينية كانت ستشهد تحولا كبيرا ولفترة أطول تاريخيا على خريطة الشرق الأوسط منذ عام 1999 -بأفضل مما ننشده أونطمح إليه اليوم- ومع ذلك فإن الحدود التي رسمها الاستعمار البريطاني بين فلسطين وشرق الأردن تبدو أكثر استقرارا مما كانت عليه منذ سنوات طويلة، أما تفكيك الدولة العراقية فقد بدأ مؤخرا وربما منذ 1991 مع إنشاء المنطقة الكردية (بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة) وهي منطقة أصبحت محمية من الغرب في الشمال الشرقي من البلاد.

التجربة الكردية

لقد أصبح هذا «التقسيم الناعم» للعراق عنصرا من عناصر الدستور العراقي ما بعد صدام حسين، مع إنشاء حكومة إقليم كردستان (وهي تحمل معظم سمات الدولة -والسيادة الفعلية على أراضيها ولها قواتها العسكرية الخاصة بها، ناهيك بقدراتها المستقلة في إجراء العلاقات الخارجية مع الدول الأخرى- وهذا الوضع قائم ومعمول به لأكثر من عشرين سنة (1991 – 2014) ومع ذلك فإن خريطة الدولة العراقية في معظمها لا تزال كما هي دون تغيير.

لبننة سوريا

سوريا قد تنتهي بها الحرب الأهلية مثل لبنان تماما كحالة من التقسيم الفعلي على الأرض لكن دون أن تعترف أي دولة في العالم باستقلال هذه «الدويلات السورية»، كما أنه ليس من الواضح حتى الآن أن يعترف القادة السوريون الجدد بالاستقلال الرسمي عن الدولة الأم.
هذا هو الخلل في التحليل الأخير لنهاية سايكس بيكو لأنه لا يوجد أحد لديه مصلحة في إعادة ترسيم الحدود من جديد في الشرق الأوسط أوالاعتراف بأي حدود جديدة.