ليس السؤال ما إذا كان ضحايا الحرب السورية في مركز الأبرار بلبنان (متخصص في معالجة إصابات الحرب السورية) قادرين على العودة إلى بلادهم، بل إذا كانوا يستطيعون مواصلة الحياة أصلا.
كل هؤلاء بترت على الأقل إحدى أطرافهم، وبعضهم فقد النظر وتشوه وجهه، وآخرون يعانون حالات عصبية، وشللا.
هؤلاء الذين خرج معظمهم في ثورة يطالبون بالحرية، فقدوا حرية الحركة، فلم يعودوا قادرين على رفع بندقية أو حتى لافتة في تظاهرة سلمية، ولم يبق ربما إلا إصرارهم بعناد للمطالبة بحقوق طالما حلموا بها.
يتميز المركز الكائن في مدينة طرابلس شمال لبنان بأنه الوحيد المختص باستقبال من فقدوا أعضاءهم بسبب الحرب، لكن على الرغم من الجهود التي يبذلها الأطباء على صعيد العلاج الفيزيائي وتركيب الأطراف الصناعية، يبدو واضحا أن هؤلاء لن يستعيدوا حياتهم السابقة أبدا، وستبقى أجسادهم شاهدا على ثورة واجهها النظام عسكريا منذ بدايتها وتحولت مواجهة دموية مفتوحة مع المعارضة.
على الرغم من الاهتمام والعناية التي يشيد بها الضحايا، فإن المركز يبقى ملوّنا بالأسى ويضج بحكايات عن أحبة رحلوا، ووطن ضاع، وعزيمة عند البعض بعدم الاستسلام للنظام »الطاغية«.
وتجمع المصيبة المدني منهم والمقاتل في صفوف الجيش الحر، الذي رفع البعض إعلامه ورايات إسلامية فوق أسرّتهم، وكلهم يعانون من إصابات لن تندمل جراحها وستترك آثارا نفسية وجسدية لبقية عمرهم.
يختصر أحد الضحايا، الذي قال إنه أصيب في ريف حماه قبل نقله إلى «مركز الأبرار»، الكثير من الحكايات والإصابات.
ويروي الشاب، الذي فقد بصره وتشوه وجهه كما بترت يده اليمنى ومعظم أصابع يده اليسرى، كيف خضع لعدة عمليات جراحية لترميم فمه وأسنانه ويديه المشوهتين.
وقال، وهو يتكلم بصعوبة، «كان وجهي مشوها وفقدت أسناني» بحيث لم يعد قادرا على تناول الطعام، وبالإضافة إلى ذلك «فقدت البصر واحتاج الأمر إلى عملية جراحية في عيني اليمنى حتى صرت قادرا على الرؤية بشكل أفضل».
مصاب آخر وصف كيف هرب وعائلته من قرية إلى أخرى من قصف الطيران الحربي بالبراميل المتفجرة «فقتل الكثير من الناس... كان القصف يلاحقنا من قرية إلى أخرى».
وأشار إلى أنه أصيب «بشظية من برميل متفجر في رجلي ما أدى إلى بترها قبل أن يسعفني الشباب» إلى الحدود التركية أولا ومن ثم إلى لبنان «حيث نصحت بالمجيء إلى مركز الأبرار وتلقيت معاملة جيدة».
مصاب آخر يعاني بالإضافة إلى إصابته الجسدية من صدمة عصبية بعدما هزه مقتل والده إلى جانبه في السيارة نفسها.
رحلة علاجه الطويل بدأت في مدينة القصير ومن ثم يبرود في منطقة القلمون السوري وبعدها إلى بلدة عرسال البقاعية الحدودية داخل لبنان، لكن «بسبب إصابتي الخطرة نقلت إلى مركز الأبرار حيث أجريت لي عملية جراحية وبدأت العلاج الفيزيائي».
وفي هذا السياق، أوضح «أبوخالد»، المسؤول في مركز الأبرار، أن «المركز يستقبل إصابات متنوعة أكثرها عظمية وحالات بتر»، بالإضافة إلى إصابات في العيون والأذنين والشرايين والجهاز الهضمي.
وأوضح أن «المركز يُخضع كل حالات البتر لعلاج فيزيائي مكثف داخل المركز لتركيب أطراف صناعية لهم»، مؤكداً حقيقة مرة وهي أن كل المصابين سواء الذين في المركز أو غادروه لكنهم بقوا داخل لبنان «يعانون من بتر في الأطراف أو فقدان العيون» بما يمنعهم من متابعة حياتهم السابقة.