وصدقوني أحبتي بأني لا أرمي بموضوعي هذا لما هو أبعد من طنجرة ووجبة لذيذة، فطبيخي متقن، مسبك، شهي، يروق للناظرين، ولا أقصد به الطبيخ السياسي الحارق، ولا المحترق منه، وأنا حقيقة أريد أن أشمر عن ساعديّ، وأشرح لكم طريقة صنع ثقافة إنسانية بدأت منذ فجر التاريخ، فلا أكاد أن أتخيل مشاعر أول إنسان عرف النار، واكتشف أنها -ولو عن طريق الصدفة- تحيل لحوم الحيوانات الدامية النيئة إلى مشويات تذوب في الفم بلزوجتها ولذاذتها، وتجعل ثمار البرية القاسية المختلطة معها أجمل نكهة وطعم، وأكثر سهولة للهضم.
فكيف تعلم الإنسان البدائي الخلط بين اللحوم والثمار والأعشاب، وكيف رش عليها المالح، وزاد من بهجتها بحبات الفلفل، وبقية ما تتحفنا به الأرض من أعشاب وبهارات؟.
ثقافة الطعام مبتورة تاريخياً، فلم نعرف بالتفصيل كيف كان طعام أسلافنا على الأرض قبل عشرات الآلاف من السنين!. وكيف تطورت وجباتهم، وكيف وصلت إلينا طبخات الشعوب، التي تميز أصحابها وبلدانهم وبيئتهم وطقوسهم، فمن المؤكد أن عصيدة جنوب الجزيرة العربية مختلفة كلياً بالمكونات وطريقة الصنع والتناول عن أي عصيدة عالمية، وأن وجبة (احتفال البحر) المدخنة في جزر (الهونولولو) تختلف عن وجبة الحشرات والعناكب في الفلبين، وعن البطاطس والسمك البريطانية، وعن المحشيات التركية، وعن التاكو المكسيكية، وعن المسقعة المصرية، وأفخاذ الضفادع الفرنسية!.
كل له ثقافته، ومكونات وجباته، وكل له طريقة إعداده، فبعضهم يُعد طعامه بالصقيع بدلاً عن النار.
وكل له طريقته في مخادعة حلمات الذوق في اللسان، فالطبقات الفقيرة في الهند تضفي على وجباتها الرديئة كميات هائلة من الفلفل الحار والكاري لتخفي الطعم الأصلي كلياً.
وفي مجتمعنا السعودي كنا منغلقين على بعض طبخاتنا الشعبية، التي تدل على طبيعتنا الصحراوية أو القروية الجبلية، ولكنها أصبحت من التراث.
ونحن نتميز بسرعة التهامنا للوجبة مهما كانت معقدة الصنع، والتي عادة ما تكون على درجة عظيمة من السخونة، فكأنا نخشى مطاردة ريح صحراوية ستلتهم اللقيمات منا. وكم نتباهى بكميات ضخمة من الطعام قد نجود بها لأعين الضيوف، ومما يفيض كثيراً عن حاجتهم.
ونحن كشعب منفتح على العالم في الوقت الحالي نسابق الشعوب العالمية في القدرة على تمييز أنواع طبخات الشعوب ومميزاتها، حتى إننا أصبحنا من كثرة ما نستخدمها نعتقد أنها من الأساس قد وجدت عندنا!.
وقد أدمنا مؤخراً عملية طلب توصيل الطعام الجاهز للبيوت، فتجد أهل البيت الواحد كل يلتهم طعامه المختلف منفرداً، والرخيص دوماً يكون الأكثر طلباً.
وقد نشأ بيننا استعراض التميز في الطبخ فوجدنا أن البنات، وحتى الشباب أصبحوا مهتمين بفنون الطبخ، فغزوا مواقع التواصل الاجتماعي بدرجة مستغربة، وبآلاف الطباخين والطباخات، فكأن الشعب لا هم له إلا الطبخ والأكل، وقد أصبح الكثير يتاجرون في الطعام، ويقومون بتوصيل الوجبات لمن يطلبونها، وأصبح من اليسير أن تبتاع لك أي وجبة مهما كانت غريبة البيئة والمكونات والمنشأ بسرعة الضغط على الشاشة!. كما أن القنوات الفضائية والإذاعات والصحف لم تترك الأمر يمر بدون استفادة، فوجدنا مسابقات ومنافسات عالمية وعربية ومحلية تشعرنا بأهمية الطبخ والطبيخ.
فتاة سعودية تقدم وصفاً شاملاً لأي طبخة خلال خمسة عشر ثانية، وتختم وصفتها “بالعافية”!.
القدور من أمامنا، والطبيخ من خلفنا، حتى صرنا (منيو) عالمي يضم كل طعام عجيب ومتناقض، والأمر لم يعد يعني الجوع، ولا التلذذ بالطعام فقط.
إنه أمر يجب الوقوف عنده، ودراسته، وتحديد أسبابه النفسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية!.
الطبيخ لا يأتي من فراغ، والفراغ لا يمكن أن يطبخ!. وعلينا أن نحدد هل ما يحدث بيننا مجرد موضة طارئة لا تلبث أن تغيب بضياع المكونات، والبهارات، والمجتمع الفاضي المليان؟!.
انظر حولك، وقارن، وتبين، ولا تكن ممن يطبخ في السر، واكشف ولو عن رمش عينك اليسرى، وفي قِدرك الفارغ، لا تسمح بتسبيك سياسي، ولا بتشويح للعقول، ولا قلقلة للسان!.