على الرغم من أن علم ريادة الأعمال لم يظهر بوصفه العلمي إلا في الستينات، فإن العلماء المختصين يرون أنه سيقود مستقبل التنمية، وسيكون المحرك الاقتصادي، والمُوظف الأكبر في القرن الحالي، وقد يحل محل إدارة الأعمال في المستقبل، ويراهن كثيراً منهم على دور ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة في تعافى الاقتصاد العالمي وازدهاره في المستقبل، على اعتبار أنهما الطريق الأمثل لاكتشاف مصادر جديدة للمواد، والخيار الأفضل لاستثمار هذه المواد بطرق إبداعية مبتكرة، ومتميزة، ولذلك تبذل الدول المتقدمة وغير المتقدمة جهوداً كبيرة لتنمية ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة لدورهما المؤثر في الاقتصاد.
وتعتقد جولي ميير مؤسسة أدريان كابيتال في لندن أن رواد الأعمال لديهم فرص جيدة لتجديد القطاعات الضخمة المزدهرة، من خلال إيجاد مصادر إيرادات جديدة، وإنشاء نماذج أعمال عالية النمو، وإيماناً منها بمستقبل رواد الأعمال ودورهم في قيادة التنمية، ابتكرت في بداية القرن الواحد والعشرين (2000)، نموذجاً جديداً لتمويل زيادة الأعمال في أوروبا والمملكة المتحدة، وصفته آنذاك بأنه نموذج «رواد أعمال يمولون رواد أعمال آخرين».
وبالنظر إلى دور ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في دول العالم الأول نجد أن مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة في ألمانيا مثلا - تسهم بنحو 66% من إجمالي الصادرات الصناعية، وتوفر هذه المؤسسات في الولايات المتحدة نحو 60% من الوظائف، وأكثر من 50% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، كما أن دولاً أخرى مثل كوريا الجنوبية، سنغافورة، البرازيل، الصين، والهند تحولت إلى دول مؤثرة في خارطة الاقتصاد العالمي، بفضل تطوير مشاريع رواد الأعمال، وزيادة إسهام المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي، ففي كوريا الجنوبية مثلاً تمثل المشاريع الصغيرة والمتوسطة الجزء الرئيس في الاقتصاد الكوري بأكثر من 3 ملايين منشأة، تشكل ما نسبته 99.80% من المشاريع الاقتصادية، بعد أن فرضت قانون يلزم المشاريع الكبيرة بتقديم عقود من الباطن بنسبة 60% للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وفي السعودية، تشير القراءات الاقتصادية إلى أن ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة هما من سيقودان الطريق إلى التنمية، وأنهما الحل الأمثل لكثير من المشاكل الناتجة عن الخلل في هيكلة الاقتصاد، وعدم القدرة على تنويع القاعدة الاقتصادية، والمتمثلة في زيادة معدل البطالة، وارتفاع مستوى تأهيل الذين يعانون من البطالة، خصوصاً مع عودة أكثر من 150 ألف مبتعث ومبتعثة، لا يمكن للقطاع الحكومي أو القطاع الخاص أن يستوعبهم أو خلق وظائف جديدة لهم، لا سيما أن التقرير الإقليمي السنوي لإدارة الأعمال في العالم العربي لعام 2014 الذي يصدره منظمة البنك الدولي بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية IFC، أشار إلى أن رواد الأعمال في السعودي، الإمارات، البحرين، عمان، قطر، وتونس أفضل حالا من نظرائهم في باقي دول المنطقة، فيما يتعلق بسهولة إنجاز الأعمال وتأسيس الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم، ومع ذلك لا تزال المبادرات التي تتبنى فكر ريادة الأعمال وتشجيعه في السعودية، محدودة جداً يغلب عليها الطابع الفردي، ولا ترتقي إلى العمل المؤسسي، مع غياب للخطط الاستراتيجية التي تعزز هذا التوجه.
ومن هذا المنطلق، فإن تبني مفهوم ريادة الأعمال، وتشجيع رواد الأعمال الجدد، وإيجاد بنية تشريعية وقانونية تسهم في خلق بيئة مثالية لهذه المشاريع، وتعزيز قدرات الشباب لتأسيس مشاريعهم التجارية، وتحويلهم من كونهم جزءا من المشكلة إلى جزء من الحل، أصبح ضرورة وليس ترفاً، ويتطلب ذلك عمل مؤسسي يبدأ في إنشاء هيئة خاصة أو نظام لتنمية وتطوير المشروعات الصغيرة يمكن رواد الأعمال الجدد من تحويل أفكارهم إلى مشاريعهم منتجة، ويعمل على تذليل التحديات التي تواجههم وعلى رأسها التمويل، من خلال إيجاد تسهيلات وقنوات تمويلية، إلى فرض نظام مماثل للقانون الكوري يلزم المشاريع الكبيرة بتقديم عقود من الباطن للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
كما أن إدراج تدريس ريادة الأعمال في المناهج التعليمية والبرامج التدريبية لا يقل أهمية عما ذكر سلفاُ، بعد أن أصبح التفكير الريادي توجهاً عالمياً في مؤسسات التعليم العام والعالي، وضعت الدول المتقدمة خططاً تنفيذية لتنميته وتعزيز تطبيقاته في جميع المجالات والأوساط، كونه يسهم في غرس فكر ريادة الأعمال في أذهان الطلاب من الصغر، وينمي لديهم روح المبادرة والابتكار، ويحولهم من موظفين طامحين للعمل في القطاع الحكومي أو الخاص إلى أشخاص مبتكرين ومبدعين، يؤسسون مشاريع الخاصة، ويديرونها بأنفسهم.
ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة الطريق إلى التنمية
محمد العوفي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
