لمّا كنتُ أعمَلُ في المدارس وكُنا نتناقش عن هروب الطلاب من المدرسة وتَحيُّنهم لأي فرصة أو نافذةٍ تُفتَحُ أو بابٍ يُشرّعُ ليخرجوا مسرعين غيرُ آبهينَ بعقوبة ولا بردّة فعل، كانَ أغلبُ المعلمينَ حينَها يكرّرونَ أفكاراً متشابهة تتعلّقُ بإغلاقِ الباب الشرقي أو سدّ النافذة الجنوبيّة وفي أحسنِ الأحوال يأتي أحدُهم بفكرةٍ يظنّها رائدةً ويقول: كَلّفوا حارساً يحرُسُ الباب أو مُعلمين يتناوبون على مراقبة المنافذ لكتمل حصار المدرسة الرهيب،ولا تخرجُ جميعُ الأطروحات عن مَنعٍ وحَظْرٍ وتضييق.
لم أكُن أستغربُ هذا التشابه في التفكير ولا هذا الاتفاق الطبيعي في الحلول الذي قلّما نراهُ في قضايا هامّة ومصيريّة أكثر إلحاحاً من تسرّب طلاب من مدارسهم، وسببُ هذا الشعور أنّني أُلاحظُ في الجوّ العام مُماثلةً ومُطابَقةً لما يردّدُه المعلمون الذين هم من أبناء نفس المجتمع ومن إفرازات ذات الثقافة، فرِجالُ المرور يقترحونَ على رؤسائهم زيادة عدد إشارات المرور منعاً للحوادث، أو يقول أحدُهم للمسؤولين:
لا منَاصَ لكمْ من مَطبّاتٍ أسفلتيّة ذات ارتفاعٍ عالٍ وتعرّجٍ صعب تُجبرُ السائقين على تخفيض السرعة خوفاً على سيّاراتهم من جبالٍ تعترضهم بحقدٍ شديد يشبه كرهَ اليهودِ للمسلمين.
ويذكرنا ذلك بنظريّة بقايا الزّجاج المكسور المثبتة على أسوار مدارس في زمن مضى منعاً لهرب الطلاب،أو طلاء أعلى الأسوار بمادّة “الشَّحَم” الأسود لكي تعلقُ آثاره على ثوب الطالب الذي يتجرأ على تجربة اعتلائها والتفكير في الهروب وبذلك يُضبَطُ بتلك العلامة الفارقة ويلقى من العذاب ما لا يلقاهُ “حرامي في مولد”..
وحينَ نستطرِدُ في مسيرة «أغلِقْ تسترح» نصلُ إلى مَنعِ السفر إلى دولة ما لأنّ بعضَ شبابٍ سافروا إليها وشطحوا أو أُغيرَ عليهم لتهوّرهم، وننتقلُ إلى إغلاقِ وحَجبِ بعض المواقع على الأنترنت لأنّ بها ما لا يُعْجِب، وإغلاقِ دوراتِ المياه المُلحقةِ بالمساجد ليلاً لأنّ الأطفال وبعض المراهقين يعبثونَ بها وإغلاق الكهرباء في قصور الأفراح بعد الساعة الثانية صباحاً ليخرج المعازيم، ونَزْعِ مفاتيح أجهزة التّكييف بالصالات والقاعات العامّة حتى لا يعبث بها الناس، وربّة البيت تغلق النوافذ منعاً لهواء يُدخِل معه غباراً لأنّ القاعدة الكلاسيكيّة تقول»البابْ إللي يجيكْ مِنّه الرّيح سِدّه واستَريحْ» وحُقَّ لها أن تستريح بمبدأ (الإغلاق) عن التنظيف، وغير ذلك كثير في عدوى اجتماعية بنرجسيّة إصدار قرار بالمنع أو الإغلاق أو الحجب.
ولو استمرّ التفكير التسلسلي يقرّرُ في كلّ مرة يرى فيها أمراً سلبيّاً أن يمنَعَ مصدَرَه لطالَ الإغلاقُ والمنعُ التنفّس وقبَعَت الأرواح في أجسادها خائفة من كلّ شيء وحذِرَةً من أيّ شيء، أمّا البحثُ عن طريقةٌ أخرى ووسيلةٍ مغايرة فهو الحلقةُ المفقودة عندَ من يؤمنُ بأنّ التربية هي «المنع» وأنّ التأديبَ هو «الحجْرُ» وأنّ الإدارة هي «الإغلاق» وأنّ الدينَ هو «التّحريم» ولَعمري فإنّ تلك أمّ المصائب ورأسُ المُعضلات في ممارساتنا بأسرها.