ربما ينظر البعض بسطحية أن الطفولة ما هي إلا مرحلة عمرية عادية يمر بها كل البشر، ولكن يجب أن نتفق أننا ولدنا ووجدنا في هذه الأرض بغير اختيارنا وسنغادرها أيضا بغير اختيارنا، الطفولة أيها الأعزاء مثل الحياة مرحلة اختبار وامتحان يختبر فيها المجتمع والجيل وسيسأل عنها الوالدان ويسأل عنها أولي القرار.
لم يولد الأطفال ليشقوا ولم يوجدوا ليعنفوا، وجدوا ليكونوا زهرات للحياة نتنفس من خلالهم آمالنا وننظر فيهم لروعة الحياة نشم فيهم معنى الرحمة ونقتبس منهم الضحكة ونشاطرهم الألم، يشقى الأب ويكدح ويتعب ليعطي أطفاله قوتهم، يدخل بيته فتتسارع قلوب أطفاله لتحيته، تستيقظ الأم من نومها لتزرع قبلاتها على أطفالها وتهب لهم من صحتها وعافيتها ما يجعلهم أكثر سعادة وصحة.
عندما يبذل الوالدان ما يمكنهما من أجل الطفولة فسيبقى دور المجتمع ودور أصحاب القرار في رعاية الطفولة وحمايتها، إننا نحرس الطفولة لأمور مستقبلية تحفظ لنا الجيل من السقوط في أوحال لا يدركونها، ينظر السياسيون والمربون الجادون أننا نحمي هوية البلد وهوية المجتمع من الغزو الموجه للأطفال، وهذا حق وواجب
لا ينازع فيه أحد، ولست بصدد الحديث عن هذا الجانب، ولكني أتحدث عن الطفولة من حيث هي رحمة وفرحة وبسمة وأمل يجب أن نسعى لتحقيقها لأطفال المجتمع بدون النظر لقدرة وملاءة والده المالية أو للونه أو جنسيته فهو طفل وكفى.
من حق الأطفال أن نوفر لهم أماكن الترفيه المجاني بكل صوره المشروعة ومن حقهم أن يجدوا الطبيب المجاني ومن حقهم أن يجدوا ألعاب العيد وملابسه ومن حقهم أن توجد جمعيات خيرية كبرى يرعاها الموسرون ليدخلوا البهجة على قلوب الأطفال.
نعم لدينا مستشفيات للأطفال ولكنها مكتظة ومزدحمة جداً ولا توجد إلا المدن الرئيسية فقط عندنا، لدينا ملاهي للأطفال ولكن لأطفال المقتدرين وأما الملاهي العامة فهي بدون صيانة أو رعاية غالباً، لدينا جمعيات خيرية تجوب العالم وليس لدينا جمعيات لإسعاد الأطفال، لدينا محلات ألعاب ولكنها لأطفال الأثرياء، يتبرع تجارنا في كل مناسبة ولا يكادون يتبرعون للطفولة وإسعادها.
وكما أن من واجب الأبوين تقديم الرعاية للأطفال، فإن واجب الحكومات تقديم الرعاية للأطفال، ليست الرعاية هي مجرد التعليم فقط، فهذا جزء مهم من الرعاية، بل هناك أجزاء مهمة وهي تهيئة الجو النفسي وتهيئة الروح الاجتماعية لتقبل صخب الطفولة وعبثها.
لننظر إلى مثال يسير ورد عن نبينا الكريم عندما دخل الحسن والحسين المسجد وهو يخطب، وكانا أطفالاَ يعثران بين الصفوف فترك الخطبة وقطعها والناس ينظرون إليه باستغراب ونزل من منبره وحمل الأطفال ثم عاد إلى منبره، تخيل أيها القارئ أن هذه القصة تحصل اليوم في مجتمعنا أن يقطع خطيب خطبته وينزل من منبره لحمل أطفاله، كم سيكون ضجيج الإعلام وصخب الناس وغضب المجتمع، وأما رسولنا فهو الذي قال “صلوا كما رأيتموني أصلي” ففعله لإرشادنا لرحمة الطفولة ومخالفة تقاليد المجتمعات، بل جاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو يحمل حفيدته في الصلاة فإذا سجد وضعها على الأرض وإذا قام حملها، وورد أيضاَ أنه كان ينوي إطالة الصلاة أحياناً فيخففها عندما يسمع بكاء الأطفال في المسجد.
لسنا بحاجة أن نقتبس نظريات الرحمة بالطفولة وإسعادهم من غيرنا بل لدينا في ديننا ما يكفي لإقناعنا أن الطفولة مرحلة عمرية سيسأل عنها المجتمع وسيسأل عنها أصحاب القرار، إن إدخال السعادة على الأطفال وتوفير متطلبات الحياة واجب قومي وواجب مجتمعي وواجب على المؤسسات الخيرية التي يجب أن تقوم بهذا الشأن.
وإذا كنت هنا أنادي بإسعاد الأطفال وتهيئة المجتمع لإسعادهم ودعوة الأثرياء لذلك، فإنني مندهش فعلاً مما نشاهده اليوم من الجشع الذي يمارسه كبار التجار من رفع أسعار مستلزمات الأطفال الأساسية من الحليب والغيارات الداخلية والملابس وغيرها وهو يجعلنا ننادي بأعلى صوتنا أرحموا الطفولة يا أصحاب القرار.
ارحموا الطفولة وأسعدوها
خضر بن سند3 دقائق للقراءة

حجم الخط
