أي شعور بالراحة ربما أحس به المسؤولون البريطانيون بعد الحكم على المتشدد البريطاني أبوحمزة المصري في نيويورك سيكون على الأرجح قصير الأجل. منذ تسعينات القرن العشرين، عندما اتخذت أعداد كبيرة من الإسلاميين المتطرفين من لندن قاعدة لهم بحيث صار يُطلق على العاصمة البريطانية «لندنستان»، يعتبر أبوحمزة أحد أبرز دعاة العنف من خلال خطابه المتشدد المعادي للغرب.
من مركزه في مسجد فينزبري بارك في شمال لندن، كان أبوحمزة يلقي خطباً نارية بشكل منتظم، وكان يعرف في خطبه عن تأييده للهجمات الإرهابية التي كانت القاعدة تقوم بها ضد الولايات المتحدة، مثل تفجير السفينة الحربية الأمريكية «كول» في اليمن عام 2000. كما أعلن صراحة عن تأييده لأسامة بن لادن، الذي قال عنه إنه «بطل»، وعن هجمات 11 سبتمبر قال إن «الجميع كانوا سعداء عندما ضربت الطائرات مركز التجارة العالمي».
سمعته كأبرز داعية للكراهية في بريطانيا أوصلته إلى السجن في النهاية في 2006، بعد محاكمته في لندن بتهمة التحريض على القتل وعلى الكراهية العنصرية. لكن الشكوك أن أبوحمزة، وهو من أصل مصري، كان يرتكب أعمالا إرهابية تأكدت بعد أن وجهت إليه السلطات الأمريكية تهمة بالمساعدة على التخطيط لاختطاف 16 سائح أمريكي وبريطاني وأسترالي في اليمن في عام 1998؛ وأنه حاول إقامة معسكر تدريب إرهابي في أوريجون؛ وأنه أرسل أحد أتباعه للتدرب في معسكرات القاعدة في أفغانستان.
تم ترحيل أوب حمزة إلى الولايات المتحدة لمحاكمته في 2012، والتي انتهت بإدانته بجميع التهم الـ11 الموجهة إليه. بعد الحكم عليه في سبتمبر، على الأرجح أن يقضي أبوحمزة باقي حياته خلف القضبان. وفي نفس الوقت، تم ترحيل أبوقتادة، وهو محرض إسلامي متشدد آخر كان يتخذ من بريطانيا قاعدة له، إلى الأردن في العام الماضي لمواجهة تهم بالتخطيط لهجمات إرهابية ضد إسرائيليين وأمريكيين.
ولكن هذا لا يحل المشكلة. صحيح أن أبوحمزة المصري وأبوقتادة لم يعودا يهيمنان على الأجندة الإسلامية في بريطانيا، لكن هناك جيل جديد من المتشددين الإسلاميين الملتزمين بأجندة معادية للغرب قد برزوا ليأخذوا مكانهما.
من بين هؤلاء، الأكثر خطورة بلا شك مئات الشباب المسلمين البريطانيين الذين ذهبوا إلى سوريا للجهاد ضد نظام بشار الأسد. الاستخبارات البريطانية تقدر عدد هؤلاء بحوالي 500 بريطاني قاتلوا في سوريا إلى جانب جماعات متطرفة مثل داعش وجبهة النصرة، وكلاهما ارتبطا بالقعدة في بعض الأوقات.
مع أن الكثيرين قُتلوا في سوريا، إلا أن المسؤولين البريطانيين قلقون مما سيحدث لدى عودتهم إلى الوطن، بعد أن قاتلوا إلى جانب أكثر الجماعات الإسلامية تطرفا في العالم. العميد في الجيش الحر عبدالإله البشير قال لصحيفة تايمز في لندن في الشهر الماضي أن صفوف تنظيم داعش مليئة الآن بمقاتلين بريطانيين، وأن الكثيرين منهم شاركوا في ارتكاب فظائع مثل قطع الرؤوس والصلب.
ولكي نكون منصفين معهم، السلطات البريطانية منتبهة إلى المخاطر وهم يفعلون ما بوسعهم لمراقبة نشاطات هذا الجيل الجديد من الجهاديين. تيريزا، وزيرة الداخلية البريطانية، تبحث في احتمال مصادرة جوازات سفر أولئك الذين يسافرون للقتال مع الجماعات الإسلامية.
المسؤولون الأمنيون البريطانيون اعتقلوا أيضا عددا من المواطنين البريطانيين المتهمين بتجنيد شباب مسلمين بريطانيين للقتال في سوريا. أحد الذين يواجهون المحاكمة حاليا اسمه معظم بيك، وهو معتقل سابق في جوانتانامو أُفرج عنه في 2005، رغم اعتراضات مسؤولين في البنتاجون ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، الذين كانوا قلقين من أن السيد بيك لا يزال إرهابيا خطيرا.
لكن ليس الجهاديون العائدون من سوريا مصدر القلق الوحيد. بريطانيا تجد نفسها مرة أخرى ملاذاً للمتطرفين الإسلاميين الذين أُجبروا على الفرار من بلادهم نتيجة موجة الانتفاضات التي اجتاحت العالم العربي. من أبرز الجماعات التي تسعى للجوء إلى بريطانيا هي الجناح المصري من حركة الإخوان المسلمين، والتي حكم على العديد من قادتها بالإعدام في مصر. وزارة الخارجية البريطانية تحقق حاليا في الاتهامات بأن بعض الهاربين إلى لندن كانوا يستخدمون المدينة من أجل التآمر للقيام بهجمات إرهابية ضد الحكومة المصرية.
الجماعات الإسلامية الأخرى الموجودة في لندن يُشتبه بأنها تتآمر على إسقاط حكومات خليجية. في مساجد متعددة منتشرة في أرجاء بريطانيا، بعض الدعاة يلقون خطباً يمتدحون فيها إنجازات أسامة بن لادن أو ينشرون العداء للسامية.
إدانة أبوحمزة في نيويورك ربما أنهت نشاطات جيل من المتشددين الإسلاميين. لكن بريطانيا لا يزال أمامها طريق طويل قبل أن تتخلص عاصمتها من تسمية «لندنستان».