ظامي المرتوي دائب التأمل في الأصدقاء لأنه بطبعه كثير المخالطة والتنقل من استراحة إلى أخرى، مع الزملاء والأصدقاء والأقارب والمعارف، ومن يحيط بكل هؤلاء القوم، فهو معلم في النهار، وناشط مسائي من بعد العصر، أما الليل فيعود من الاستراحات ليقضيه من «قروب» إلى آخر حتى مطلع الفجر، يرقد الآن مكتئبا في مصحة نفسية، يروي لطبيبه بعض مشاهداته المقلقة:
مع الشروق يا دكتور تبدأ المتناقضات كتناقض الليل والنهار، وأنا أرى السائقين المتمهلين أبغض من الطلاق، وهم يعيقون اندفاعي، ثم في عودتي أمقت كل الجائعين المسرعين ظهرا، فهم مزعجون يقطعون تركيزي في التشييك على رسائل «القروب»، فزملائي الذين خرجوا قبلي من الحصة الخامسة كتبوا في «الواتس اب» حكما عن خلق المسلم، ونظّر أحدهم لأسباب تخلف العالم الثالث، أهمهما عدم اهتمامهم بالوقت واستشعار الأمانة ومحاسبة النفس، لكني قلق يا دكتور بحق، فذات الرجل اليوم بالكاد استطاعت إدارة المدرسة التحايل عليه لدخول حصته الرابعة. ربما كان متخما بالفول لحظتها، لكن ماذا أقول عن صديقي الممرض، الذي دائما ما يتحدث في الاستراحة عن تعقيدات موظفي البلدية ويقترح الكثير من الحلول لمعالجة تقصيرهم، وهو
لا يصل دوامه إلا بعد التاسعة، ويحتاج إلى ساعتين كي «يروّق»، ثم يشارك زملاءه العمل متأففا من إزعاج المراجعين وتخلفهم لنصف ساعة ليفاجئ مسؤوله باستئذانه لمراجعة شركة الكهرباء.
لقد أسقط في يدي يا دكتور وخطيب الجمعة في حيّنا، يزور أخي الأكبر بعد صلاة الجمعة، بهدية مغلفة بعناية لا أعلم ما فيها، لكني سمعت أخي يقول له «ابشر يا شيخ، ازهل الموضوع»، فماذا تراه يقصد، ولماذا تلك الهدية، ظننته جاء للسلام علينا، لكنه لم يجلس حتى. وتألمت كثيرا عندما رأيت أستاذي يحضن أديبا بحرارة وحفاوة، بعد ساعة فقط من اعتراضه على مشاركته في إدارة أمسية، ومحاولاته المستميتة لإقصائه. ومشايخ يشنعون في الداخل على كثير من المظاهر، ويستبيحونها لأنفسهم في الخارج تحت بند «المسايرة» لا يعلمون أن الصور تأتينا ربما. ومسؤول يحاضر عن الوطن لا يطول حبل ادعاءاته حتى تنكشف سوأة فساده ونهشه عظم الوطن بشراسة، وكاتب وإعلامي ومثقف وناقد وأكاديمي تحدث بمثالية أدخلته قلوبنا، فأشرقت شمس الحقيقة بعكس ما ادّعى.
أتألم يا دكتور، حتى صرت أشك في ذاتي، وفي تصرفاتي، أفقد شعوري باللحظة، وأحد أصدقائي يقابلني مبتسما، أشك في ابتسامته، أتوجس منه، أبحث عن وجهه الآخر في مخيلتي، فإن لم أجد له وجها أصنعه مباشرة بالظن، لا أصدق الأحاديث الفاضلة والمثالية التي أسمعها، أشغل نفسي وأسعى حثيثا إلى متابعة مثاليي الأحاديث والتصرفات، فأتحطم على صخور الواقع الأليم وأنا أقع على سوءات كثيرين، أشعر بلصوصيتي وخبثي، وتصرعني مقولة «من راقب الناس مات هما» فأتوب وأجدني أعاود الكرة بعد الكرة وأقع في شر أفكاري.
إلى متى ونحن نعيش النسق المزدوج، نمارس النفاق حتى مع ذواتنا، نكذب على أنفسنا يا دكتور، وندّعي الفضيلة ظاهرا لكن دواخلنا تكذّب أقوالنا وبعض أفعالنا، وتتعب وهي تكذّب حتى تتبلد، وفي مرحلة التبلد تصل إلى حالة من التصديق، والاقتناع أننا فاضلون حقا، فاختفت الكثير من المُثُل أو صارت نادرة لدرجة أن المتصف بها كالغريب بيننا، فأين ثقافة الاعتراف بالخطأ، والاعتذار، وقبول التأنيب الداخلي من الضمير، أو من الناصح المنصف الصادق، دون أن نبحث عن مبررات تسوّغ ما اقترفناه، وتلجم الضمير وحلفاءه الناصحين.
أنت مثلا يا دكتور نصحتني في الجلسة الماضية ألا أسيء الظن بأحد، وفي مهاتفتك قبل قليل كنت أسمعك تسيء الظن بزميلك وتغتابه، حتى أنت فقدت ثقتي بك، وشعرت بازدواجيتك، فأنت منهم لا تختلف أبدا.
فأمر الطبيب على الفور بإبرة منومة لا أدري هل سيصحو منها صديقي ظامي أم يستمر في نومه كضمائرنا التي نوّمها الازدواج!!