تقدم الروايات مساحة شاسعة لنقل أسلوب الحياة في مكان أو منطقة ما، بهويتها وثقافتها وكل ما تحمله من تفاصيل اجتماعية، مما يجعل المكان عنصرا أساسيا في بنائها.
ومن هنا يأتي تساؤل عدد من المثقفين حول الطريقة التي قدمت فيها الروايات السعودية المناطق المحلية، فيؤكد الروائي مقبول العلوي أنها بدأت في الظهور بعد عام 2000، فقبل هذا التاريخ كان الروائي يتهرب من ذكر اسم المكان الذي تقع فيه أحداث روايته بحسب وصفه.
فيما يرى الناقد الدكتور ماهر الرحيلي أن المكان حضر بقوة في كثير من رواياتنا المحلية، حتى كانت أسماء المناطق عنوانا للرواية، ويضيف متسائلا «كيف كان هذا الحضور؟ فهناك من كان شغوفا بالقرية وهمومها، وهناك من كان أقرب إلى التسجيل مستفيدا من وقائع وأحداث حقيقية حصلت في المكان، وآخر استقى من معطيات المكان ورموزه بفنية عالية، ومما يلحظ هنا أن الروائي المحلي لا يتعدى غالبا بيئته التي نشأ بها، والرواية قد تتطلب أكثر من هذا بكثي».
وقد يلجأ بعض الكتّاب إلى الأماكن البديلة للواقعية هربا من هالة التقديس التي كان يحاذر الاقتراب منها روائيا، بحسب قول العلوي، ويوضح «لم يكن يغامر بتسمية المكان خشية الوقوع في التعميم، فالبديل قد يكون في دولة مجاورة أو حتى بعيدة».
وعن الأماكن المقدسة؛ مكة المكرمة والمدينة المنورة، يؤكد العلوي بأنها لم تكن حاضرة بالشكل الملموس، بالرغم من أنها ملهمة للخيال وتضم في جنباتها الكثير من الرؤى التي من الممكن أن تصنع عملا روائيا كبيرا ومهما، ويخالفه في الرأي الرحيلي بقوله «لعل مكة أكثر حضورا، والسبب في رأيي هو تعدد الثقافات وامتزاج الأعراق، فهي عوامل أكثر بروزا في مكة منها في المدينة، ولكن ما يزال هناك الكثير من معطيات هاتين المدينتين يمكن إثراء العمل الأدبي منها».
وعن رواية مسك الغزال للكاتبة اللبنانية حنان الشيخ، يقول الرحيلي «يظهر حذر الشيخ في تناول المنطقة، وذلك ببعدها عن التصريح واعتمادها على رمز الصحراء بدلا من التسمية المباشرة، المؤاخذات التي وجهت لهذه الروايات تتلخص إجمالا في عدم الدقة وعدم التوثيق، والسخرية من بعض العادات المحلية.
وهذا يجرنا إلى السؤال الذي لا يموت، هل الرواية مستند تاريخي يعتمد عليه؟ جميعها كتبت بعد عمل كاتبيها في مناطق سعودية مختلفة، ولذا فهي أمام إشكالية التماهي مع السيرة الذاتية، وإشكالية محاكمتها إلى الواقع، ورأيي أننا لا نملك أن نحاكمها بوصفها روايات، فهي رؤية خيالية تتوازى مع الواقع في بعض جوانبه، لكن ليتها كانت بأسماء موازية أيضا».
واعتبر العلوي أن صورة المكان في بعض الأعمال الروائية العربية قاتمة وتفتقر إلى الفهم أولا وأخيرا، ويوضح «هؤلاء القوم جاؤوا في فترة ما قبل الطفرة فوجدوا أناسا لم ينتقلوا بعد إلى المجتمع الحضري، وربما كانت لديهم أفكار مسبقة عن الأشخاص والمكان فتكرست هذه الصورة سلبا حينما كتبوا عنها، فلم يتم نقل الصورة الحقيقية للإنسان، ولم تبرز الصورة بشكل محايد وصادق، فوقعوا في فخ نمطية الصورة السيئة الموجودة مسبقا في عقولهم».
تنوع المكان يثير التساؤلات حول طرائق حضوره في الرواية السعودية
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
