كان مساء الخميس الماضي تاريخيا ومفصليا، حيث صدر 34 أمرا ملكيا، منها إعادة تشكيل مجلس الوزراء، وإنشاء مجلسين: مجلس الشؤون السياسية والأمنية، والشؤون الاقتصادية والتنمية، ودمج وزارة التعليم العالي والتربية والتعليم في (وزارة التعليم)، وصرف راتب شهرين أساسيين لجميع موظفي الدولة السعوديين، وصرف مكافأة شهرين لجميع الطلاب والطالبات، وصرف معاش شهرين للمتقاعدين، وتعديل سلم معاش الضمان، مع صرف مكافأة راتب شهرين لمستفيدي الضمان، وصرف مكافأة إعانة شهرين للمعاقين.
ولفت الأنظار أن مجلس الوزراء الجديد ضم وزراء جددا معظمهم من الشباب، وهو ما يعني السعي الأكيد للتغيير والتعاطي مع معطيات العصر وتقنياته وبرامجه، فالدماء الشابة تملك مقدرة أكبر على التعامل مع المتغيرات؛ فهم من المعايشين لها والمتعاملين معها.
وهذا ما يزيدنا ثقة وأملا في نقلة نوعية في جميع وزاراتنا، وبخاصة بعد التخلص من المجالس التي كانت تمثل عائقا أمام التغيير، فالأنظمة الجديدة يفترض أن تجد مساحة للانطلاق، والتغيير بحاجة لعامل السرعة، وبدون هذين العنصرين لن يكون هناك تغيير فضلا عن أن نلمس التطوير.
إن ما نرجوه من كل وزارة هو إعلان خطتها مصحوبة بجدول زمني - يقصر أو يطول - حتى يطلع عليه الجميع، وأن تختفي ظاهرة «هدم ما سبق» بكافة أشكالها وصورها، فالاستراتيجية يفترض أن تسير عليها الوزارة حتى لو تم إعفاء الوزير، ومن غير المقبول، وليس من المعقول أن تستمر هذه الظاهرة المشينة، ووزارة الصحة يصح أن تقدّم كأنموذج لهذه الظاهرة.
الأوامر صارمة وتحمل في طياتها رسالة ضمنية إلى كل من يتبوّؤون المناصب في بلادنا بأن الإعفاء قد يأتي في أي لحظة، وأن هذا الأمر لا يستثني أحداً، ومن الملاحظ أنه لم تظهر عبارة «بناء على طلبه»، ويبدو أنها ولّت إلى غير رجعة، وأعتقد جازما أن الكثيرين باتوا لا يثقون بها.
وقد قامت صحفنا خلال الأيام الماضية بدورها، فأجرت استطلاعا حول الأماني التي يتطلع لها أبناء المجتمع من الوزراء الجدد، ففي التعليم كانت هناك تطلعات بنقلة نوعية ليواكب مسيرة البناء وحاجة سوق العمل، وبعد دمج الوزارتين يرجى أن يكون الطريق للجامعة مدروسا بعناية، أما في جانب الصحة فقد ظهر أن عبارة «لا يوجد سرير» مؤرقة لنسبة كبيرة من أفراد المجتمع بالإضافة إلى الأخطاء الطبية المتكررة والقاتلة ونقص العلاج في بعض مستشفياتنا ومراكزنا.
وهكذا سارت الأمنيات في جانب الخدمات البلدية والمعاناة المتكررة من سوء النظافة وقلة الحدائق والمتنزهات، وعدم تحقيقها الحد الأدنى الذي يحتاجه مرتادوها.
والإسكان وسيْره الذي لم يوافق حتى سير السلحفاة، وقد تمنى الكثيرون الإسراع فيه وبشكل ملحوظ؛ فالمعاناة من المغالاة في الإيجارات بات مؤرقة.
أما الإعلام فقد كانت الطموحات عالية بأن يرتقي مستوى الإعلام لدينا ويواكب العالمية، وأن تتبوأ القنوات السعودية مكانتها المستحقة، لتمثل الإعلام المتزن والمتميز بالشفافية العالية، في ظل تقنية حديثة وكفاءات عالية يمكن لها إخراج ما تريد بمصداقية تامة وبقالب مشوّق، والثقافة يفترض إعادة النظر في وضعها؛ لتعرف هويتها ومقوماتها وسبل تفعيلها ومن ثم نشرها.
إن طموح كل مواطن هو أن يلمس ما تقوم به الوزارات من جهود وما تقدمه من خدمات، ووزارة التجارة باتت مضرب المثل بعد الجهد الواضح الذي لمسه المواطن وكان محل رضاه، وبودي لو أن كل وزارة أخرجت تقريرها السنوي لتنشر منجزاتها وما حققته من تطلعات للمواطن؛ فجميع الوزارات إنما أنشئت من أجل المواطن، ومن حقه الاطلاع على ذلك ليدرك الأعمال المبذولة من أجله.
وهمسة في أذن أصحاب المعالي الوزراء أن يتواجدوا مع المواطنين، وأن يعلنوا عن مواعيد استقبال المواطنين وبشكل موسع وفي أوقات تناسب الجميع، فالمواطن عين المسؤول، والنزول للميدان هو الأسلوب الأمثل لمتابعة أعمال الوزارة.
ولعل من نافلة القول أن هذه التغييرات والقرارات التي صدرت إنما تدل على عزم الملك سلمان ـ حفظه الله ـ على التغيير من أجل البناء والتطوير، والتي تهم المواطن بالدرجة الأولى، ولعمري إن كل ما ننتظره من الوجوه الوزارية الجديدة هو تحقيق أمنية مليكهم وشعبهم، فإلى المزيد، وإن غدا لناظره قريب.