يقول سبينوزا: (إن القانون في الأشياء هو ذاته القانون في الأفكار)، ربما نستطيع تطبيق هذه القاعدة الفلسفية على ما يفعله المثقف الذي ينعم بزاوية يومية في إحدى الصحف فنجد نهمه الباذخ في محاولة الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من القراء يجعله في حالة تخمة غير صحية تفقده اللياقة الفكرية المطلوبة منه كمثقف تقع على عاتقه مسؤوليات ينتظرها منه مجتمعه ووطنه.
حينما نطلق على أحدهم لقب مثقف أو كاتب يتبادر إلى الأذهان بداهة تصورات تضفي عليه هالة تجذبنا للتلهف أو الانتباه - على الأقل - لما سينتجه لنا، بيد أن هذه الهالة للأسف تتلاشى وتحل محلها خيبة أمل غالبا إذا عرفنا أنه كاتب يومي!
ذلك أننا نجد الكثير من هؤلاء الكتاب يعتبرون القراء ضمنا مجرد سلع مادية، تزيد من مستوياتهم الجماهيرية. فتخرج لنا مجموعة أفكار مستهلكة أو تصفية حسابات مع خصوم أيدلوجيين أو مواقف مبتذلة أو طُرف باردة في قوالب تُسمى زورا مقالات، يشعرك هؤلاء الكتاب أنهم مجرد باعة يعرضون للأطفال الأطعمة الضارة بهم، لكنها في نفس الوقت جذابة ومغرية، وذلك من أجل المال وفقط المال، لا بد لنا أن نتأسى فعلا على دور المثقف الحقيقي الملهم الذي يحاول دائما معانقة الإبداع من خلال ما يقدمه .. ذاك الذي يكتب لبناء ذاته أولا.
من يشعر بالمسؤولية الثقافية والأخلاقية بالدرجة الأولى تجاه ما يكتبه، من يحاول أن يكون صديقا للقارئ، أكثر من كونه باحثا عن إمتاعه، هو الصديق الذي نأمن معه بوائق الحياة ونصارع معه همومها ومشكلاتها ونتحاور مع مفرداته وتفتح لنا أفكاره أبوابا لعوالم أخرى مغيبة عنا.
المثقف الحقيقي، باختصار من نجد عنده المعادلة الآتية: (تسليط الضوء على خلل فكري معين أو اجتماعي، ثقافي...الخ + معلومة صادقة + محاولة إعطاء القارئ مساحة للتفكير).
ويغلف هذه المعادلة بأسلوب مثير يقتل عندنا روتين الواقع الذي نهرب منه..
وربما لا نحتاج كمية كبيرة من الجرأة إن قلنا إن الكاتب الذي نتحدث عنه نادر الوجود في محيط الكتّاب العرب. لأننا نجد الكاتب العربي عموما والسعودي على وجه الخصوص - غالبا ما يجد نفسه ضمن خيار لا إرادي وسلس بين أغلال الصحيفة وسجن النخبوي ..!
المعركة التي تخوضها الصحف الورقية مع الشبكة العنكبوتية بكل عتادها وجنودها تلقي بظلالها بلا شك على استراتيجيات الصحف ونوعية ما تقدمه، أصبح ما يطلبه الجمهور أولى مما يتطلبه، وما يفرضه أولى مما هو مفترض، لذا على الكاتب الذي يشكل جزءا من الصحيفة أن يراعي تغير الاستراتيجيات ويقدم ما يُراد منه بطريقة أو بأخرى، بينما يقف النخبوي الذي يعشق النقد التجريدي الثقافي متصلباً، متناسيا الواقع المهيمن، ويخل بوظيفته في إرشاد المثقف المحتار، هنا يضطر كاتبنا النجم إلى الثرثرة.