لكي يبسط سيطرته على كل العراق من أقصى شماله إلى آخر جنوبه ويحقق هدفه الذي طالما سعى إليه وهو إنشاء حكم دكتاتوري شبيه بحكم صدام حسين ولكن بوجهه الطائفي، كان على»المالكي» أن يواجه الأكراد بحزم وقوة، بعد أن خاض مع مليشياته ومليشيات حلفائه غمار حرب طائفية شاملة ومدمرة ضد المكون السني عامي 2006 و2007 والتي ذهب فيها مئات الآلاف من الضحايا، وبعد أن استتب له الأمر واستطاع أن يحد من خطر الأحزاب السنية، من خلال إقصائها من الحكم ومطاردة زعمائها الذين كان لهم دور مؤثر في الساحة السياسية العراقية ويشكلون خطرا حقيقيا عليه، وعندما خلا له الجو ورسخ سلطته على بغداد العاصمة على وجه الخصوص، بدأ بالتحرك نحو الأكراد، وافتعل معهم أزمات ومشاكل لا حصر لها، حتى أوصل العلاقة بينهما إلى طريق مسدود، وكان عليه أن يحسم أمورا كثيرة عالقة معهم ويعاقبهم على خروجهم السافر عن طاعته وأوامره وعدم الرضوخ لمشيئته، ومحاولتهم المستمرة للنيل منه وسحب الثقة عنه وإيوائهم للزعماء السنة المعارضين لسياساته، وهو لم ينس لهم ذلك أبدا، مع أنهم كانوا حلفاء حميميين للأحزاب الشيعية بشكل عام، وشخص المالكي نفسه، حيث عاش شطرا من حياته أيام المعارضة في كردستان وكرم وعومل بمنتهى الإنسانية، ولولاهم ولولا اتفاقية اربيل التي صاغوها 2010 لما تربع «المالكي» على عرش السلطة للمرة الثانية، ولقامت القائمة العراقية السنية بتشكيل الحكومة بدلا عن ائتلافه، باعتبارها حازت على أعلى أصوات الناخبين (91) مقعدا في البرلمان، بينما حصل ائتلاف المالكي على (89)مقعدا برلمانيا فقط، وبدلا من أن يشكرهم ويقدر لهم ما فعلوه له وينفذ المواد الدستورية التي تصب لصالحهم وصالح قضيتهم، أخذ يناصبهم العداء ويضع في طريقهم العقبات.. وهو لا يرتاح له بال ولا يقر له قرار أبدا حتى يبسط يده على كامل الأراضي العراقية ويرفع رايته الطائفية عليها، ولكن بعد أن يتغلب على العقبة الرئيسة التي تحول دون حدوث ذلك وهي الأكراد، وهو لا يتوانى عن استعمال كافة الأساليب والطرق الملتوية وغير الملتوية للوصول إلى هذا الهدف، وهو لا يؤمن بالدستور الذي يقر بالأقاليم والتعددية السياسية وتداول السلطة، وإذا كان اليوم يرفع راية الأغلبية السياسية ويدعو لها فلأنها تحقق له السلطة المطلقة وتبعد الخصوم عن طريقه وهي لا تختلف كثيرا عن مفهوم «الحزب القائد» الذي كان حزب البعث العربي الاشتراكي يكرسه في المجتمع العراقي..
الحقيقة أن المكونين السنيين العربي والكردي خرجا من التحولات السياسية التي جرت في العراق بعد 2003 بأكبر الخسائر، والرابح الوحيد فيها هو الأحزاب الشيعية المنضوية في التحالف الوطني الحاكم، وعلى وجه الدقة ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي، وكأن أمريكا قامت بالغزو وتكبدت خسائر فادحة بأموالها وأرواح جنودها من أجل عيون الشيعة وهو كذلك، وهذه هي الحقيقة، أرادت أمريكا أن تسلم الأحزاب الشيعية حكم العراق لكي تقف بوجه المد السني (الصحوة الإسلامية) الذي بدأ بالانتشار في المنطقة العربية منذ الثمانينات من القرن الماضي وسرعان ما توسع وتمدد وأصبح يشكل خطرا حقيقيا على المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، حتى وصل تأثيره إلى حد تحريك الشارع العربي وإسقاط بعض السلطات القائمة في الدول العربية وهو ما سمي فيما بعد بثورات الربيع العربي..
وإذا كان السنة قد أخذوا حصة الأسد من الخسائر عقب سقوط النظام البائد وتولي الشيعة حكم البلاد، من خلال تهميش دورهم في الحكم وإبعادهم عن السلطة وشن حرب طائفية عليهم، فإن الأكراد أيضا نالهم قسطا وافرا من هذه الخسائر، صحيح أنهم فازوا بمناصب رفيعة في الدولة الجديدة لم يكونوا ليحلموا بها، مثل رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية ورئاسة أركان الجيش، ولكن في الحقيقة لم يستفيدوا من هذه المناصب شيئا، طوال فترة بقائه على رئاسة الجمهورية وحتى سقوطه صريع الفراش لم يستطع أن يضيف رئيس الجمهورية «جلال الطالباني» شيئا يذكر للقضية الكردية ولم يفلح في الحد من الصراع الدائر بين بغداد واربيل، بل بالعكس عندما أراد الكرد مع القوى السياسية الرئيسة في البلاد أن يتخلصوا من رئيس الوزراء «المالكي» بسحب الثقة منه 2012 تراجع عن عملية سحب الثقة في آخر لحظة خلافا لموقفه السابق المؤيد لسحب الثقة، وقل الشيء نفسه عن»هوشيار زيباري» والجنرال «بابكر زيباري»، دورهما مغيب تماما بالنسبة للقضية الكردية، مع أنهما لم يعتليا منصبيهما إلا من أجل خدمة هذه القضية.. وهذا من أفدح الأخطاء الاستراتيجية التي تحسب على الإدارة الكردية.
تحقيق الدكتاتورية بالأغلبية السياسية
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
