تتكرر مفردة (الإرهابيّ) حاملة دلالات شتى في ذهن مرسلها، وفي تلقي الفرد والجمع أيضا، ولا يقتصر تداولها على فئة دون أخرى، بل تتزايد في بيئات تحاول أن تدفع عنها التهمة، اعتقادا أن المنظور العام لها سيتكون من هذه الزاوية، ولا أعلم أن أحدا قد نجح في وصم فئة أو شعب أو أمة أو دين بهذا الوصف، وفي الوقت نفسه، لم يرد إلى علمي أن نجحت فئة أو أمة أو شعب في دفع تهمة الإرهاب عنها، ويعود عدم النجاح في كلتا الحالتين إلى كون الوصف يرتهن إلى سياقات نابعة من منظورات ذاتيّة في الأولى، وما يماثلها في موقع النظر إلى الآخر في الحالة الأخرى. إن مشكلة هذه المفردة الساخنة ليست في كونها وصفا يمكن أن ينطبق على فرد دون جماعة فحسب، بل في كونها تتكئ على التاريخ وتستند إلى الجغرافيا، تستحضر الماضي وتعانق المستقبل، تنبثق من الداخل وتترعرع في الخارج.

لكن البعد الذي أراه مهماً في ذلك ما يتصل بمستقبل الوطن، كيف يمكن معالجة ما يتصل بإرهابي محتمل فيه؟ لعلي أحاول التقريب بمثال قد يبدو ملائما، فالمتأمل في أحوال أجهزة الأمن في مطارات العالم كله سيلحظ ارتهانها إلى جهود شبه موحّدة في التعامل مع ركاب كل طائرة، ومع الطاقم الذي يدير العمل فيها، إذ أصبحت الأجهزة الإلكترونيّة تقوم بهذا الدور في الكشف عن الإرهابيّ المحتمل، والمتوقع ظهوره في لحظة ما، ويعني هذا ببساطة أن الجميع سيخضع لإجراءات التفتيش الدقيقة دون هوادة، ومنهم أولئك الذين يقومون بالعمل على تلك الأجهزة. إن تعميم تلك الخدمة على الجميع بلا استثناء، سيجعل منهم عرضة لهذا اللقب (الإرهابيّ) حال كشف ما يتصل بذلك، ولهذا فإن من شروط التمتع برحلة جويّة آمنة قبول الخضوع لمثل هذه الإجراءات، التي تتحقق فيها صورة أسنان المشط، لا تفرق بين شرقيّ وغربيّ، وبين ذكر وأنثى، وبين أسود وأبيض، وبين متدين وملحد. إذ سيكون من السهل عليّ أن أتحمل هذا في سبيل الكشف عن إرهابيّ حقيقيّ محتمل، قد يتوارى في الرحلة التي سأسافر عليها، لأقدم هذا البعد الرمزيّ من خلال ممارسة ذلك طلبا للأمن ورغبة في السلامة.

ما الذي ينبغي أن نقوم به في وطن كبير نأمل العيش فيه بأمن وسلام، ونأمل ألا يعيش بيننا أو حولنا إرهابيّون محتملون؟، الأمر شبيه بالطائرة التي أشرنا إليها آنفا، نرتادها لسفرة جويّة قد لا تزيد عن نصف ساعة، لكننا نتقبل إجراءات الأمن والسلامة فيها لمدة قد تعادل زمن الرحلة، خوفًا من إرهاب محتمل، إذ تفرض المواطنة الحقّة أن نتعاون في وصول رحلتنا العمريّة التي نعيشها بأمان وسلام، وأن نكون عونا في الكشف عن مصادر الإرهاب ومنابعه، وألا نتذمر من إجراءات قمع الإرهاب، فإن المسافر الباحث عن أمن لن يقلق من الإجراءات الأمنيّة المشددة، ومن لم يكن إرهابيا محتملا فلن يقلق من الحديث عن الإرهاب ولن يتذمر من كشف مصادره الفكرية.