لا تكاد تسمع خطبة جمعة، أو خطاب واعظ، أو همهمات زاهد، أو تأوهات تعيس يائس، إلا وتجده يلعن الدنيا ويحقرها. والسؤال: ما مدى صحة هذه النظرة في الخطاب الديني الذي يستند إليه الجميع؟
ينطلق البعض من مفهوم تديني يقوم على تحقير الدنيا وازدراء المُقام فيها، ومن خلال نظرتهم تلك يفهمون كل آية في القرآن الكريم تتحدث عن الدنيا. وحين نعود إلى القرآن الكريم لاختبار هذه النظرة نجد أن لفظ (الدنيا) ورد في القرآن الكريم في مئة وخمسة عشر موضعاً مجرداً عن الإضافة إلى أي ضمير. وورد هذا اللفظ مضافاً إلى خمسة أوصاف: الأول وصف (متاع) في ثمانية مواضع، منها قوله سبحانه (ذلك متاع الحياة الدنيا) والثاني: وصف (العَرَض) في ثلاثة مواضع ومن ذلك قوله سبحانه (تبتغون عرض الحياة الدنيا).
(العَرَض) يعني: متاع الدنيا. والثالث: (الزينة) في موضعين: أحدهما: قوله سبحانه (تريد زينة الحياة الدنيا) وثانيهما (المال والبنون زينة الحياة الدنيا). والرابع: وصف (الزهرة) في موضع واحد وهو قوله سبحانه (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا)، والخامس: وصف (الحرث) في موضع واحد (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها) وهذه الأوصاف الخمسة التي أضيف إليها لفظ (الدنيا) تدور حول معنى ما أودعه الله في هذه الدنيا وجعل الله الإنسان أمام اختياراته هو (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) وجعله أمام مسؤولية نفسه في الاستقامة (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ) وفي الإيمان (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن) وفي الاستبصار (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ).
ومن هنا يتضح أن القرآن الكريم يورد الذم لمن يفصل ثنائية الدنيا والآخرة، بأن يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة، كما في قوله تعالى (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ. أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) وكما هي حالة الطغيان (فَأَمَّا مَن طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى).
لقد أكد القرآن الكريم مبدأ (في الدنيا حسنة) كما في مواضع خمسة هي (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هذه الدُّنْيَا حَسَنَةً) (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذه الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذه الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ).
ولم يرد في القرآن الكريم لعن الدنيا وإنما وصفت بأنها دار غرور، وهو وصف محايد، يكون للذم في حال من أخلد إليها، وللمدح لمن جعلها حسنة. بل إن أي ثقافة تحاول التحريم لزينة الدنيا وطيباتها فإن القرآن يرفضها (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ويتجلى الجمال حين يضيف الله الزينة إليه (زِينَةَ اللّهِ) ذلك أن الخلق للإنسان والخلق للأرض مشترك الغاية التفاعلية (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) هكذا هو حديث القرآن عن الدنيا وفكرة الإنسان من خلالها.
يتعلق اللاعنون للدنيا بأحاديث تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم كـ(الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما كان من ذكر الله) يقول الإمام ابن تيمية: (وكيف يصح أن الدنيا ملعونة، وليس من رزق ولا من نعمة ينالها العبد إلا على ظهرها، وقد قال تعالى «فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ» وإنما يذم منها حرام من غير وجهه، أو حلال على سبيل التكاثر والتفاخر، وما يقتنى قصد المباهاة والمباراة، فذلك الذي هو ممقوت عند ذوي الألباب). والصحيح من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً متسق مع رؤية القرآن. ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام (إن هذه الدنيا حلوة خضرة) والأحاديث كثيرة في الأمر بالتجارة والزراعة والتكسب. لا يتسع المقال لذكرها.

