كان لموسم الحصاد «الصرام« في الماضي فرحة خاصة وطقوس أسرية عندما كانت تشارك المرأة بل الأسرة بأكملها رب الأسرة المزارع في عملية الحصاد، قبل أن تتسرب المدنية الحديثة لبيوت المزارعين وينشغل أفرادها في مهن ووظائف بعيدة عن الزراعة.
ويقف حاليا مزارعو الباحة بمفردهم لحصاد ما زرعوه بمدرجاتها الجبلية، والتي شهدت إنتاجا وفيرا من القمح بعد هطول الأمطار بكثافة على المنطقة هذا العام.
ويقول المزارع حاتم الغامدي بدأت قبل أيام عملية «الصرام» لحبوب القمح والشعير المنتشرة في المدرجات، وترى المزارعين يعملون بهمة ونشاط في مشهد يتكرر كل عام، إلا أن موسم هذا العام اختلف كثيرا عن الأعوام الماضية، حيث شهد وفرة في محصول الحبوب نتيجة الأمطار التي هطلت على المنطقة بشكل كبير، ما أسهم في جودة الإنتاج وغزارته، مشيرا إلى أن الحصاد يعقبه مرحلة استخراج الحبوب عن طريقة «الدياس» حيث كان يستخدم فيه البهائم والأبقار والحمير والثيران، قبل ظهور الآلات الحديثة.

عزوف الجيل الجديد

وأوضح محمد الزهراني أن الصرام قديما كان يشارك فيه كافة أفراد الأسرة من الرجال والنساء أما اليوم فاقتصر على الرجال، إلا ما ندر ببعض المزارع الخاصة البعيدة عن الطرقات العامة وأعين الناس، مرجعا عزوف النساء عن المشاركة في الحصاد إلى دخول المدنية والوظائف النسائية والمستوى التعليمي لكثير منهن، إضافة إلى رفض الجيل الجديد من الرجال خروج زوجته أو ابنته للمشاركة في تلك المناسبة، مشيرا إلى أن المرأة كانت تشارك الرجل قديما في موسم الصرام، الذي كان يعج بالحركة والنشاط، وتعلو أصواتهم بالأهازيج، حيث كانت الزراعة المورد الاقتصادي الوحيد لأبناء منطقة الباحة، إضافة إلى رعي الأغنام والأبقار والجمال، ويعد الحصاد موسما يستفيد منه الجميع حتى الطيور والحيوانات.

أجمل الذكريات

وأضاف عبدالعزيز الغامدي «الصرام» كلمة متعارف عليها في الجنوب عموما، وفي الباحة خاصة، وهو عملية موسمية يتم من خلالها قطع سنابل القمح ليتم جمعها، ثم تبدأ عملية الدياس، وهي فرز الحب عن السنابل المتكسرة من الدياس للبيع في السوق أو للادخار، ومن ثم استعمالها في إعداد الخبزة والعصيدة والعريكة، وهي أكلات شعبية تشتهر بها المنطقة.
ورغم قسوة الأيام الماضية وصعوبة العيش فيها، إلا أن عبدالخالق الزهراني في العقد السادس من عمره يصف موسم الحصاد في تلك الأيام بأنها من أجمل الذكريات، حيث كانت تتجمع الأسر من كافة أنحاء القرية في الوادي، لتكتظ بهم المدرجات الجبلية للمشاركة في الحصاد والفرح بنتائج ما زرعته أيديهم طيلة نصف عام، مضيفا: كان موسم «الصرام» يشهد طقوسا جميلة يؤديها المشاركون فيه رجالا ونساء، حيث يتشاركون الغناء، ويرددون أبياتا تحث على العمل، مشيرا إلى أن زراعة القمح والشعير لها مردود عال، حيث تتفاوت أسعارها حاليا بحسب نوعها ومكان زراعتها، وتصل قيمة كيس القمح إلى نحو الـ300 ريال وأكثر، فيما يبلغ ثمن الشعير 250 ريالا للكيس تقريبا يزيد أو ينقص.

أسباب غياب المرأة

من جانبه أوضح محمد الزهراني أن المرأة كانت تشارك الرجل إلى عهد قريب في «الصرام»، الذي كان يعد من أهم المهن الشعبية التي مارستها بالمنطقة الجنوبية، إلا أن الحياة المدنية ودخول المرأة مجال الوظائف الحكومية والقطاع الخاص غيبها عن مشاركة الرجل حاليا في هذه المهنة، وهو ما دعاه إلى الاعتماد على بعض العمالة الوافدة لمساعدته في هذه المناسبة.

الحصاد في الماضي

وأشار عطية الزهراني إلى أنه رغم صعوبة وتعب عملية الحصاد في الماضي، إلا أن موسمه يعد من أجمل الأيام التي كانت تمر على المزارع وأهله، حيث يبدؤون من الصباح أعمالهم في ربط المحصول على شكل عقد ذات حجم متقارب، ثم تنقل بالبهائم إلى المنزل، وتخزن لتبدأ مرحلة «الدياس»، حيث يتم تفكيك العقد ونثرها في الجرين، ويتم الاستعداد بإحضار «السواني» البهائم، وتركيب الشباكة على أفواهها، لكي لا تأكل المحصول وربط الخورمة وهي عبارة عن حجر بركاني به نتوءات كثيرة وصغيرة يميل لونه للأسود مع حمرة قاتمة، وهو يستخرج من مقالع معينة خشن الملمس يثقب بثقبين من أسفل الحجر، ويربط منها لكي يرتفع طرفه الأمامي أثناء سحبه لتتم عملية الدياس من خلال دخول المحصول تحته فيسحقه ليخرج الحب من السنابل وبالطبع كان يرافق هذه العملية قيام البعض بإنشاد الأهازيج الشعبية.

مهنة غير مناسبة

وأضافت نورة الزهراني «في العقد السادس من عمرها» إن المرأة كانت تشارك الرجل في كل شيء في البيت والمزرعة وتتحمل معه قسوة الحياة، والآن مع التطور الذي شهدته الأيام الحالية وارتباط المرأة بوظائف وأعمال ثقافية واجتماعية واقتصادية وغيرها، فلا تجد الوقت لتشاركه في الصرام، كما كانت تفعل في الماضي، حيث باتت تلك المهنة لا تناسبها.